هيئة الاستثمار بين المعتقدات والتعقيدات

قياسي

رغم أنني تركتُ العمل في الهيئة العامة للاستثمار منذ فترة، إلا أنني مازلت حريصاً على متابعة أمورها والذبّ عنها، ليس بسبب الولاء الأعمى، ولكن لأنني أعلم بها ممن ينتقدها إما جهلاً بأمورها أو بناءً على ما قرأه من كتّاب شخصنوا النقد واحترفوا الإثارة وسوّقوها على أنها حقائق.

لن أقوم بإيراد أي إحصائية أو معلومة يمكن تصنيفها على أنها داخلية أو خاصة، بل سأركز على المعلومات المعلنة سواء من الهيئة نفسها أو عن طريق جهات أخرى -حكومية كانت أو خاصة- وذلك لسببين، أولهما: أن أي معلومة داخلية لم يعلن عنها قد تكون عرضة للتشكيك فيها، وثانيهما: لأثبت لمن يرغب البحث عن الحقيقة وجود المعلومات على الانترنت.

سوف أسوق بعضاً من التهم/الجُمل التي تتكرر عن الهيئة العامة للاستثمار في وسائل الإعلام سواءاً التقليدي منه أو الاجتماعي:

الهيئة باعت البلد للأجانب، الهيئة حوّلت المتسترين لمستثمرين، السعودي يتعب ليحصل على تأشيرة واحدة وهيئة الاستثمار تغرف للمستثمر الأجنبي بالآلاف فيستخدم جزءاً ويبيع جزءاً، الهيئة ملأت البلد باستثمارات المطاعم والورش، الهيئة باعت لنا الوهم في المدن الاقتصادية، الهيئة مكّنت الأجانب من منافسة السعوديين في أرزقاهم، أين الاستثمارات ياهيئة الاستثمار، فقط حمص أبو زكي، لا نحتاج استثمارات أجنبية، لدينا رؤوس أموال كبيرة في البلد، أين الاستثمارات الصناعية ومصانع الطائرات والسيارات ياهيئة الاستثمار، المستثمر السعودي يهرب للخارج والهيئة تستقطب المستثمرين الأجانب للداخل.

ويقاس عليها الكثير مما يأتي بصيغ غير مباشرة، مثل “مرة جبت نجار يصلح لي الباب وبعد سنة كلمته قال لي أنا صرت مستثمر أجنبي” أو “مؤسسة استثمار أجنبي استأجرت محل عندي وهرب صاحبها من غير دفع الإيجار، أي استثمار أجنبي هذا؟” ويتم تعميم مثل هذه الحالات الفردية – إن وجدت – على أن هذا هو كل الاستثمار الأجنبي.

قبل التطرق للتهم أعلاه، سوف أقوم بإيراد تمهيد في صورة نقاط سريعة ليساعد في متابعة الموضوع:

  1. لفظة المستثمر الأجنبي أينما وردت فهي تعني الكيان القانوني الذي تعود ملكيته بالكامل لغير الجنسية السعودية أو بشراكة مختلطة بينهما.
  2. الاستثمار الأجنبي وُجد قبل هيئة الاستثمار حيث كانت وزارة التجارة مسؤولة عنه، وقد انتقل للهيئة بعد إنشائها – فيما بعد – حوالي 2000 مشروع مرخص من وزارة التجارة تشمل المقاولات والبنوك والمصانع والمطاعم وغيرها.
  3. الولايات المتحدة رغم كونها أكبر مصدّر للاستثمارات الأجنبية إلا أنها في نفس الوقت أكبر جاذب للاستثمارات الأجنبية. هل في هذا تناقض؟ لا، كثير من الدول تسعى لتصدير شركاتها لتكون عالمية تعمل في سوق أوسع، وتستقطب في نفس الوقت شركات عالمية لتذكي روح المنافسة محلياً.
  4. شركة أبل أمريكية الأصل تصمّم الآيفون في كاليفورنيا ويتم تصنيع مكوناته في 5 دول خارج أميركا ويتم تجميعه في الصين فهل قال الأمريكيون أنه لابد من توطين صناعة الآيفون مثلا؟
  5. بدأ تدفق الاستثمارات الأجنبية على المملكة بعد انضمامها – المتأخر كثيراً – لمنظمة التجارة العالمية، وهو الذي فتحها على العالم، وإلا فإن المزايا النسبية الأخرى (الوقود الرخيص أو الموقع الخ) كانت موجودة من قبل الانضمام.

سوف أورد الآن بعض المعتقدات المغلوطة التي حوَلها الإعلام لما يشبه الحقائق وأناقشها لنعرف حقيقتها..

المعتقد الأول: المستثمر الأجنبي يحصل على معاملة ومزايا تفضيلية لا يحصل علبها المستثمر الوطني

الآن دعونا ننظر للمزايا التي يحصل عليها المستثمر الأجنبي (والذي تُتَّهم الهيئة بتفضيله ومحاباته على حسب المستثمر الوطني): الميزة الوحيدة هي وجود مركزخدمة شاملة يتواجد به ممثلين للدوائر الحكومية المختلفة في مكان واحد وتم النص عليه في تنظيم الهيئة ولائحتها التنفيذية من المشرَع ولم يكن الامر اختيارياً.

فقط؟ نعم فقط!

ولا يتم تفضيل الاستثمارات الأجنبية بشيء ما عدا ذلك بعد حصولهم على ترخيص الاستثمار ( وهو ما لا يتم إلا بعد عملية تقييم دقيقة تخضع للمراجعة الدورية من فترة لأخرى بهدف رفع المستوى) ولأن معظم الكتّاب لا يتعاملون مع هذه الآلية فهم مازالوا على تصورهم القديم عن الوضع الذي بدأت فيه الهيئة بعد تأسيسها مباشرة، ولكن المكاتب العالمية قد استشعرت الفرق وهنا مثال على ذلك http://www.legalweek.com/legal-week/feature/2202451/arabian-enterprise-improving-foreign-investment-into-saudi-arabia

إذن فهُم يقومون بنفس الإجراءات ويحصلون على نفس المستندات التي يحصل عليها المستثمر الوطني وتطبق عليهم نفس الاشتراطات بواسطة موظفي الجهات الحكومية المختلفة: السجل التجاري يصدر من وزراة التجارة والصناعة بنفس الشروط (بل أكثر تشديداً في حال فروع الشركات الأجنبية، حيث البت فيها مقصور على موافقة معالي الوزير) وتُطبّق عليهم وزارة العمل نفس الاشتراطات عندما يتقدم بطلب تأشيرات وهكذا.

في الواقع، لو يُطبّق على المستثمر الوطني اليوم ما يتم تطبيقه على المستثمر الأجنبي لصاح أغلبهم واشتكى، فالهيئة بالإضافة للرسوم الحكومية تشترط مقابلاً مادياً لخدمات مراكز الخدمة الشاملة قدره 10 آلاف ريال سنوياً على كل ترخيص، كما أنها تقوم بعمل الزيارات الدورية وإيقاع العقوبات التي تصل لإلغاء الترخيص، بينما المستثمر الوطني لا يتم إلغاء سجله إلا إذا قدّم ذلك بمحض رغبته، أو بلغت خسائر شركته الحد النظامي لتصفية الشركة، في الواقع، بدأت وزارة التجارة والصناعة فقط مؤخراً العملَ على إلغاء سجلات المتوفين أو تحويلها لشركات يدخل فيها الورثة: http://www.mci.gov.sa/MediaCenter/News/Pages/01-2012-12-19.aspx

وقد يقول قائل، لماذا لم تقم الهيئة بفتح مراكز خدمة شاملة للمنشآت الوطنية أيضا؟

قبل الإجابة على السؤال، دعوني أعطيكم صورة عن مراكز الخدمة الشاملة في الهيئة: هناك 9 مراكز بكل من الرياض، جدة، الدمام، المدينة، حائل، تبوك، أبها، جازان ونجران، تملك الهيئة الفرع الذي يقع بمقرها الرئيس بالرياض، وتستأجر فرعي الدمام وجدة، وبقية المراكز تقع في مقار الغرف التجارية بتلك المدن التي مالبثت أن بدأت تطالب الهيئة بإخلاء المواقع (بداية بغرفة جدة التي كانت كلما تم تعيين مجلس إدارة جديد بادرت بإرسال طلب إخلاء للموقع حتى تم الإخلاء قبل عام ونصف، وكذلك الحال بالغرف في المدينة المنورة وحائل ونجران).

لتلافي موضوع الوقوع تحت رحمة مجالس إدارات الغرف بدأت الهيئة في نهاية عام 1431هـ بمخاطبة وزارة الشئون البلدية والقروية لمنحها 17 قطعة أرض في مختلف المناطق حتى تبني عليها مراكز كبيرة الحجم تمكنها من خدمة المنشآت الوطنية والأجنبية (جميع الاستثمارات المرخصة كاستثمار أجنبي ومختلط تمثل أقل من 1% من عدد المنشآت في المملكة فلكم تخيل الوضع إذا أرادت الهيئة فتح المراكز الحالية للجميع) لكن للأسف، إلى أن تركت الهيئة في ذي الحجة 1433هـ (أكثر من سنتين من المراسلات والخطابات الإلحاقية والمتابعة) لم يكن بحوزة الهيئة – إن لم تخني الذاكرة – سوى 3 قطع (مساحة الواحدة حوالى 5000م مربع) في حائل والجوف ونجران، وأما أمانة جدة فاقترحت منح الهيئة موقعا في الخمرة لا خدمات فيه وأمانة الرياض اقترحت موقعا في عريض (انظر الصورة بالأسفل) ،أما أمانة الشرقية فلا أذكر أنها التفتت للأمر أصلا.

عريض

إذن فقد حاولت الهيئة مراراً أن تقوم بخدمة شرائح من المنشآت الوطنية وحالت أزمة المقرات والطاقة الاستيعابية لمراكزها الحالية دون ذلك، لكن هذه لم تكن العقبة الوحيدة بل كانت هناك عقبة أخرى كؤود وهي عدم منح أغلب الوزارات الصلاحية لممثليها بخدمة المنشآت الوطنية في مراكز الهيئة، وتحججهم بأن الاتفاقيات الموقعة مع الهيئة هي بخصوص الاستثمارات الأجنبية والمختلطة بينما المنشآت الوطنية يتم خدمتها عن طريق مقار تلك الوزارات ومكاتبها.

بعد الاصطدام بهذه العقبات، قامت الهيئة بمحاولة تعميم فكرة هذه المراكز لدى الجهات الحكومية الخدمية بالقيام بإدارتها لديهم واحتضانها ثم تسليمها لهم على أمل أن تقوم الجهات بتبنيها ونشرها مما يساهم في تحسين وتسهيل الخدمات الحكومية للمنشآت الوطنية ولهذا قامت الهيئة بإنشاء المركز الموحد في وزارة التجارة والصناعة بالرياض وقامت بالعمل مع الوزارات المختلفة لتوفير مندوبين من قبلها للعمل بذلك المركز ووضعت موظفيها به لإدارته ولا أعتقد أن مكاتب المحاماة والمعقبين الذين يقومون بتأسيس الشركات السعودية يستطيعون إنكار التحسن الملحوظ الذي طرأ، والاختصار الكبير في الوقت الذي نتج عن هذا المركز، بحيث صار يستغرق تأسيس الشركات 3 أيام تقريبا وقد كانت تأخذ شهورا قبل ذلك، ليس هذا فحسب، بل لتلافي التأخير الناتج من انتظار نشر ملخصات عقود التأسيس في صحيفة أم القرى، قامت الهيئة بالاتفاق مع وزارة التجارة والصناعة على الاكتفاء بنشر إعلان على الانترنت لإكمال الإجراءات وخصصت هذا الموقع لذلك: http://commercesagia.com/2012/ ثم في عام 2012م قامت الهيئة بإنشاء مركز أعمال آخر في جدة بالتعاون مع الغرفة التجارية مجهز لتقديم خدماته للشركات السعودية.

في هذه الأثناء – ولتجاوز مشكلة عدم انتقال العدوى الإيجابية للجهات الحكومية بتقديم الخدمات بطريقة سريعة ذات كفاءة عالية – قررت الهيئة أن البديل الأفضل للمراكز هو تقديم الخدمات عن طريق الانترنت، فبدأت العمل لوضع موقع (Portal) يتم من خلاله تقديم جميع الخدمات الحكومية لجميع المنشآت، ولكن تأبى البيروقراطية إلا أن تطل برأسها مجدداً، فبعد شهور من المراسلات والاجتماعات أصرت كثير من الجهات الحكومية أن على المستثمر (وطني كان أم أجنبي) أن يذهب لموقعها لتنفيذ الخدمات لأن موقعها (مابه قصور) مما يعني جزراً متفرقةً ومعلومات مختلفة في قواعد بيانات كل جهة (هل تعلمون الآن لماذا لم ييسر الله لبرنامج “يسّر” للتعاملات الالكترونية الظهور حتى هذه اللحظة؟ كل جهة ترغب أن يتم زيارة موقعها للاطلاع على أخبارها واستقبالات وزيرها وتعاميمها الخ)

رغم كل هذه العقبات إلا أن الاستثمارات الوطنية استفادت بطريقة مباشرة من الاصلاحات والتغييرات في الأنظمة، ومن تبسيط وتسهيل الإجراءات التي قادتها الهيئة بالعمل مع الجهات الحكومية المختلفة والاتفاقيات الثنائية لحماية المستثمرين السعوديين في الخارج، مستفيدة من تبني القيادة للاصلاحات الاقتصادية وحثها للجهات المختلفة على بذل الجهود في هذا الاتجاه.

المعتقد الثاني: الهيئة تدعم المستثمر الأجنبي على حساب المستثمر الوطني

كان فيما سبق لا يمكن للشباب بدء شركة إلا إذا امتلكوا نصف مليون ريال كرأس مال، ولهذا سيطرت على اقتصادنا المؤسسات الفردية (تمثل 94% من عدد المنشآت اليوم) بسبب عدم وجود حد أدني لرأس مال المؤسسة، فمالفرق بينهما؟ فرق كبير، المؤسسة ذات مسئولية (غير) محدودة وهذا يعني أن تكلفة الفشل في المشروع وخيمة على الشخص قد تأتي على مالديه وما خلفه وما أمامه وتسجنه حتى يفي بالالتزامات القائمة على المؤسسة، بينما الشركات لها مسئولية محدودة تجاه خصومها محددة برأس المال، ولهذا تكون تكلفة الفشل قليلة وتدخل ضمن الحماية من الإفلاس (تشابتر 11 في أمريكا مثلا)، عندما سعت الهيئة مع وزارة التجارة والصناعة لإلغاء الحد الأدني لرأس مال الشركة ذات المسئولية المحدودة، فاق عدد الشركات التي أسسها سعوديين في الشهر الذي تلى القرارعدد الشركات التي تم تأسيسها في العشرة أشهر التي سبقته!

مثال آخر قد لا يعرفه الكثير أن صندوق المئوية www.tfc.org.sa (صندوق لتمويل ودعم المشاريع الصغيرة الناشئة) قد ولد من رحم الهيئة العامة للاستثمار، وهو الذي قدم خدماته لأكثر من 3600 مشروع صغير وناشيء في 180 قرية ومدينة خلق أكثر من 9500 فرصة وظيفية ويسانده مجانا أكثر من 8250 مرشد وموجه وجميع المنشآت التي تحصل على تمويل من الصندوق يتم خدمتها في مراكز الهيئة العامة للاستثمار.

رغم هذا، أعود وأسأل: هل عملية تأسيس الكيان التي تتم لمرة واحدة هي العقبة الكبرى أمام المنشآت السعودية؟ الجواب: قد تكون عملية التأسيس فيها صعوبة ولكنها اليوم مقدور عليها، ويمكن إنجازها خلال فترة معقولة، لكن بنظري أن السبب الرئيس الذي من أجله تطالب المنشآت السعودية أن يتم خدمتها في مراكز الهيئة هو الاعتقاد الخاطئ أن مراكز الهيئة تغرف التأشيرات للمستثمرين غرفاً، وهو ما يسعى له أغلب التجار ولا أقول رجال الأعمال.

المعتقد الثالث: الهيئة مكّنت الاستثمار الأجنبي من منافسة أبناء الوطن:

مازلت أعتقد جازماً أنه قد تكونَ تصورٌ لدى الناس – بسبب حملات إعلامية مركزة قبل بضع سنوات – أن جميع المتَستَّر عليهم هم مستثمرون أجانب، وأن البقالات والبوفيهات ومحلات الخردوات (أبو ريالين) ومغاسل الملابس وأغلب المطاعم ومحلات الحلاقة جميعها استثمارات أجنبية، وهي في الواقع ليست كذلك، بل هي سجلات تجارية يملكها مواطنون قاموا بتأجيرها لوافدين بمبلغ معلوم آخر كل شهر (أشار وزير العمل مؤخراً إلى أن 31% من المنشآت الصغيرة والمتوسطة البالغ عددها 1.1 مليون منشأة -أي 341 ألف سجل تجاري- لا يوجد عليها أي عمالة سعودية بتاتا رغم أن مالكها إما سعودي أو سعودية).

في واقع الحال، عدد السجلات التجارية لجميع الاستثمارات الأجنبية والمختلطة – بما فيها تلك التي تم الترخيص لها قبل إنشاء الهيئة العامة للاستثمار أو الموقوفة بواسطة إدارة المتابعة – يقل عن 1% من عدد السجلات التجارية في المملكة، فعدد السجلات التجارية في المملكة تجاوز 1.2 مليون سجل تجاري بينما ذكر محافظ الهيئة العامة للاستثمار في حوار مطول مع صحيفة الاقتصادية (http://www.aleqt.com/2013/01/16/article_725060.html) نشر في 16 يناير 2013م أن عدد التراخيص للاستثمارات الأجنبية والمختلطة 11242 ترخيصا منذ إنشاء الهيئة عام 2000م وبالمقارنة، تصدر وزارة التجارة والصناعة ما معدله 15130 سجلاً تجارياً شهرياً (أكرر شهرياً) منذ بداية عام 1433هـ.

فإذا كان أقل من 1% من السجلات سبّب كل هذا الخوف والمنافسة، فإن الأمر مقلق ويدل على خلل هيكلي كبير جداً في الاستثمارات الوطنية فما عهدنا السواد الأعظم يخاف من منافس حصته أقل من 1%.!

وللعلم: إننا لو نظرنا للاستثمارات الأجنبية والمختلطة من ناحية رأس المال فإن سنجد نصفها يملكه إما أفراد سعوديون أو منشآت سعودية.

المعتقد الرابع: الاستثمارات الأجنبية محصورة في مطاعم المثلوثة وحمص أبو زكي ومؤسسات المقاولات

هذا السؤال الممجوج الذي يتكرر كثيرا وللأسف من طبقة محسوبة على المثقفين أو الاقتصاديين يدل على ضحالة طرح تختزل الاستثمار الأجنبي في تجربة أحدهم، كونه يسكن بجوار مطعم أو ورشة تم الترخيص لها كاستثمار أجنبي في فترة مضت (وهذا يسمح به المجلس الاقتصادي الأعلى كما لم يتم منع هذه الأنشطة إبّان مفاوضات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية) أو مضغ موضوع حمص أبو زكي الذي لم يَعُد يثير أي اعتراض بعد أن اشتراه مواطن من المستثمر الأجنبي ويديره الآن في الغالب وافدون، لأن مبدأ التستر – هنا لا أشير لذات المطعم – للأسف مقبول في مجتمع يتمسح بالدين، يطعم الرجل منه ويطعم منه أهله. هذا لا ينفي أن هناك المئات من التراخيص الاستثمارية – وخاصة تلك التي صدرت في بداية عمل الهيئة – لم تكن بالجودة المطلوبة وكان وقتها التوجه أن يتم السماح للمتستر عليهم بالظهور لكي تتم متابعتهم وتحصيل الضريبة عليهم مما يلغي التستر مستقبلا ولم يكن التوفيق حليف هذا التوجه وتم إيقاف الترخيص للمقيمين في منتصف عام 1426 هـ. التركيز على السيء منها فقط ليس عادلاً (لأن التصحيح موجود والإلغاء للمخالف مستمر) والتركيز على الجيد منها فقط ليس عادلاً ولكن يجب أن ننظر للناتج العام والصورة الكبرى ولا نسقط الشاذ على الغالب.

فماهي حقيقة الاستثمارات الأجنبية والمختلطة (التي عمّم عليها كاتب ومقدم برنامج جماهيري شهير اسم الاستثمارات الهامشية) بالمجمل؟

أولاً: حسب تصريح مدير مصلحة الزكاة والدخل، في عام 2012م بلغت إيرادات الزكاة والدخل 23.5 مليار ريال منها أكثر من 12 مليار ضرائب و 11 مليار زكاة http://www.alriyadh.com/net/article/798966 وأرغب التفصيل في هذا الخبر قليلاً:

الضريبة يتم تحصيلها على الحصة التي يملكها الشريك الأجنبي، فلو كانت المنشأة ملكية أجنبية بنسبة 100% فإنه يتم تحصيل الضريبة عليها كاملة بمقدار 20% من الربح (في مثالنا هذا، إذا كانت الضريبة أكثر من 12 مليار ريال فهذا يعني أن الربح أكثر من 60 مليار ريال ولو فرضنا أن هامش الربح 15% فيعني أن الدخل فاق 400 مليار ريال)، وإذا كانت شراكة بين استثمار أجنبي واستثمار وطني يتم تحصل الضريبة على الحصة الأجنبية، بينما تحصيل الزكاة يكون على الحصة الوطنية، وهذا معناه أن في الزكاة -البالغة 11 ملياراً- جزءاً من حصة الشركاء السعوديين في منشآت أجنبية (سبق لهيئة الاستثمار أن أوضحت أن 51% من رؤوس أموال/تمويل المنشآت المرخصة من قبلها تعود ملكيته لسعوديين سواء أفراداً أو منشآت http://www.alriyadh.com/2010/10/27/article571767.html ).

المفارقة المخيفة هنا أنه يتم تحصيل أكثر من 12 مليار ضرائب على 1% من عدد السجلات التجارية في المملكة، بينما يتم تحصيل زكاة قدرها 11 مليار زكاة على 99% من باقي السجلات، فأي استثمارات يمكن وصفها بالهامشية هنا؟ تخيل لو كان لديك شركة لها 100 فرع، وفرعٌ واحدٌ منها فقط يعطيك 52% من الدخل، هل تشدد عليه أم على بقية الفروع الـ99؟ (إمعاناً في الإيضاح، زكاة شركتي سابك والاتصالات السعودية فقط كانت 3.2 مليار ريال في عام 2011م)

ثانياً: حسب تصريح الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية للجبيل وينبع (ميزانيتها السنوية التي تم إعلانها مؤخراً تجاوزت 9 مليار ريال) فإن المدينتين تحتضنان ما قيمته 159 مليار ريال من الاستثمارات الأجنبية http://www.alyaum.com/News/art/66502.html بنمو سنوي يبلغ 20% منذ 2006م فهل هذه استثمارات هامشية؟

RCJYDFI

هناك من يقول الاستثمارات الأجنبية جذبتها أرامكو وسابك والهيئة الملكية وهيئة المدن الصناعية وشركة الكهرباء ولم تجذبها الهيئة العامة للاستثمار، أقول: نعم، قدرة أصغر تاجر أو رجل أعمال على توقيع عقد شراكة أو إدخال شركة أجنبية للسعودية أقوى من الهيئة العامة للاستثمار، لماذا؟ لأنه يضع أمام الشركة مشروعاً جاهزاً ويعدها بأعمال مستمرة، بينما الهيئة لا تستطيع منحها مشروعاً أو تضمن لهاً الحصول عليه، بل تركيزها على تحسين البيئة الاستثمارية والأنظمة وتقديم خدمات احترافية للمستثمرين وتسويق المملكة، ولا أرى تضاربا أو عيبا في ذلك فالعمل هنا تكاملي.

ثالثاً: تمثل المشاريع الأجنبية والمختلطة ما نسبته 27% من إجمالي التمويل الذي يمنحه صندوق التنمية الصناعي منذ إنشائه، ولا أعتقد أن الصندوق سيقوم بمنح ثلث مبالغ التمويل لمشاريع هامشية. http://www.sidf.gov.sa/Ar/Achievements/Pages/JointVentureFinancing.aspx

بل وعلى النقيض، فالصندوق خير شاهد على توطين التقنية، حيث شهد تملك المستثمرين السعوديين بالكامل لمصانع بدأت مختلطة وصل عددها 113 مشروعا بتمويل يبلغ 8.9 مليار ريال.

رابعاً: سوق الأسهم السعودي به 44 شركة مصنفة كاستثمار مختلط (أجنبي/سعودي) يمثل عدد أسمها 22% من عدد الأسهم المصدرة وقيمتها السوقية 236 مليار ريال أي 18% من القيمة السوقية لكامل سوق الأسهم السعودي. هل تعتبر هذه استثمارات هامشية؟

TadawulFDI

المعتقد الخامس: الهيئة فتحت مجال الاستثمار في كل الأنشطة لمن هب ودب

يعتقد الكثير أن الهيئة تملك من تلقاء نفسها أن توقف الترخيص في أنشطة معينة، أو أن ترفع الحد الأدنى لرأس المال، ولهذا فإننا من فترة لأخرى نجد اقتراحات من كتاب واقتصاديين (!) بأن يقتصر منح التراخيص الاستثمارية للمنشآت الأجنبية على تلك التي يزيد رأس مالها مثلاً عن 150 مليون أو 200 مليون، وأن يتم إيقاف التراخيص في المقاولات بكاملها … الخ، وهؤلاء قد فات عليهم التالي:

أولاً: المملكة العربية السعودية عندما انضمت لمنظمة التجارة العالمية اشترطت اشتراطات معينة وواقفت على التزامات معينة وعلى أساسها تم تحديد الأنشطة التي لا يسمح بالاستثمار فيها (اصطلح على تسميتها بالقائمة السلبية) ومراجعتها (لتخفيض عددها فقط وليس لزيادتها) وهذا منوط بالمجلس الاقتصادي الأعلى.

ثانياً: الجهة المنوطة بتحديد رأس المال هي وزارة التجارة والصناعة، وعند تغييرها (تسري على الاستثمارات الوطنية أيضا) يتم الالتزام بها بواسطة هيئة الاستثمار.

ثالثاً: الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة هي عصب الاقتصاد العالمي وفي الاتحاد الأوروبي مثلا تمثل هذه المنشآت 99.8% من العدد وتوظف 67.4% من العمالة وهذه إحصائيات عام 2012م.SME EU

رابعاً: الاستثمار الأجنبي المباشر في كل أنحاء العالم ينقسم إلى نوعين رئيسين:

    1. استثمار ابتدائي (Greenfield Investment) وهو الاستثمار الناشيء من الصفر، مثلاً شركة لم تكن موجودة في دولة ما قررت أن تبدأ مشروعاً لها في تلك الدولة.
    2. استثمار توسعي/إعادة استثمار العوائد (Brownfield Investment) وهو قيام المنشآت الأجنبية القائمة حاليا بالتوسع في نشاطها في تلك الدولة، مثال عندنا: قيام شركة بروكتر آند قامبل مثلاً مشاركةً مع شركة أبو داوود ببناء مصنع تايد في الستينات، وهما اليوم يملكان مصنعين عملاقين في جدة والدمام يُصدّران المنتجات لأكثر من 30 دولة في العالم! جميع المنشآت ترغب أن تبدأ استثماراتها الأجنبية بطريقة مدروسة ولهذا يندر أن تجد شركة تقوم بضخ 150 أو 200 مليون في أول قرار لها للاستثمار في دولة ما، وهذا يظهر بجلاء في الاستطلاعات التي تقوم بها منظمة الأونكتاد (بالأسفل من تقرير أونكتاد لعام 2012م).

GreenVsBrown

الهيئة تقوم بإلغاء التراخيص التي تتعثر أو لا تفي بوعودها، وهذه العملية تتم بشكل دوري، قد لا يتم الإعلان عن ذلك لأسباب تتعلق بعدم الرغبة في إخافة المستثمر الجاد الذي لديه استثمار ذو قيمة مضافة، والإلغاء يتم بطريقة نظامية وقانونية وبالتنسيق مع جميع الجهات الحكومية، ويكاد لا يخلو جدول اجتماع لمجلس إدارة الهيئة من بند يخص العقوبات والإلغاءات للمشاريع المخالفة.

المنتقدون الذين يحصلون على شعبية كبيرة وينالون التعاطف من قراء الصحف والإعلام الاجتماعي ينسون أن أمام الهيئة (ممثلة المملكة عالمياً) جمهور أكبر، وأي تغيير مهما كان صغيراً يكون صداه العالمي كبيراً، بل قد يؤثر على تدفق الاستثمارات الجادة ذات القيمة المضافة http://www.fichtelegal.com/en/news_article.php?news_id=224 والقليل يعرف مدى تأثير هذا النقد – الذي هو في حقيقته ملاحظات شخصية غالباً – على ملفات دولية مهمة اقتصادية وسياسية، فمثلاً إحدى أكبر قضايا الإغراق التي عانت من تبعاتها المملكة وأخذت سنينا للتعامل معها كان منبعها دراسة لإحدى الغرف التجارية خلطت فيه ملاحظات شخصية بوقائع، وتم استخدامه كمستند ضد المملكة في تلك القضية!

المعتقد السادس: الهيئة تغرف التأشيرات للمستثمر الأجنبي والسعودي يحصل على الفتات

هذا أيضا من الأمور التي رسخها الإعلام بتكرار بعض الكُتّاب لهذه الكذبة باستمرار، فتحولت مع الوقت إلى إحدى المسلَّمات، وقد أشرت لها سابقا في سبب رغبة المنشآت السعودية بأن يتم خدمتها في مراكز الهيئة. الواقع أن الهيئة ليس لديها صلاحية إصدار تأشيرة واحدة، جميع التأشيرات تصدر من وزارة العمل، وقد سأل أحدهم وزير العمل في لقائه بالمغردين يوم السبت الموافق 22 ديسمبر 2012م عن هذه النقطة فرد الوزير مفنداً هذه المعلومة المغلوطة، وقال أن الاستثناء الوحيد الذي منحته الوزارة للهيئة كان 5000 تأشيرة تم صرفها للاستثمارات الكبيرة في المدن الاقتصادية، وخلال سنتين لم يتم صرف سوى 500 تأشيرة، بل حتى هذه التأشيرات يتم صرفها تحت مراقبة الوزارة ومن نظامها.

الهيئة كانت أول من بادر بإيقاف الخدمات (تشمل جميع الخدمات التي تقدمها الجهات الحكومية) عن المنشآت الاجنبية والمختلطة التي تقع في النطاق الأحمر، وعلى حد علمي -فيما عدا تجديد رخصة العمل وإصدار تأشيرات جديدة التي تحجبها وزارة العمل عن المنشآت الواقعة في النطاق الأحمر سعودية كانت أم أجنبية أم مختلطة- لا توجد أي جهة حكومية أخرى تقوم بإيقاع عقوبات على المنشآت في النطاق الأحمر اليوم! http://www.aleqt.com/2012/01/17/article_616696.html بل ذلك مُلقى على كاهل وزارة العمل ووزيرها، ولسان الحال يقول: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون).

المعتقد السابع: الهيئة ملأت البلد بالعمالة الوافدة

هذه أيضا من التهم التي تُساق، حيث يعتقد الكثير أن العمالة الوافدة التي يرونها في كل شارع إنما تعود لاستثمارات أجنبية، وهذا استمرار للخلط بين التستر والاستثمار الأجنبي.

عدد العمالة الوافدة في المملكة تجاوز 8 مليون، والسعوديون العاملون في القطاع الخاص قرابة المليون حسب إحصائية وزارة العمل، وفي خبر نشرته صحيفة الجزيرة السعودية http://www.al-jazirah.com/2012/20121215/ec1.htm قالت فيه أن الاستثمارات الأجنبية بنهاية 2010م قد وظفت 500 ألف عامل منهم 179 ألف مواطن (فقط) –كأنها تقلل من الرقم-.

إذا افترضت صحة مصادرهم الخاصة – حيث أنني كنت تركت الهيئة حينها فلا أستطيع تأكيده أو نفيه- فإنه يمكننا استنتاج التالي:

أولاً: الوافدون الذين يعملون في الاستثمارات الأجنبية والمختلطة يبلغ عددهم 321 ألفاً أي 4% فقط من عدد العمالة الأجنبية في المملكة، بينما 96% منهم يتبعون الاستثمارات الوطنية (أو التستر).

ثانياً: 179 ألف مواطن من مليون مواطن في القطاع الخاص يعني أن ما نسبته 17.9% من السعوديين في القطاع الخاص يعملون في استثمارات أجنبية ومختلطة وهي بدورها تمثل فقط وأكرر فقط أقل من 1% من عدد السجلات التجارية في المملكة.

ثالثاُ: 179 ألف مواطن و 321 ألف وافد يعني أن نسبة السعودة في الاستثمارات الأجنبية والمختلطة تبلغ 35.8%، كم نسبة السعودة اليوم في القطاع الخاص السعودي بمجمله؟ 10% فقط ورغم أن 35.8% تبدوا مرتفعة في نظري إلا أن أقرب رقم لها -وهو قديم نسبياً- ورد على لسان معالي نائب وزير العمل آنذلك (د. عبدالواحد الحميد) في مقابلة تلفزيونية http://youtu.be/6Tz_-opaPUs (شاهد ابتداء من الدقيقة 5:23 في المقطع) نشرت في منتصف عام 2009م حيث أشار إلى أن نسبة السعودة في الاستثمارات الأجنبية والمختلطة بلغت وقتها 29% (تقريبا 3 أضعاف نسبة السعودة في القطاع الخاص السعودي والتي كانت 9.9% حسب التقرير السنوي لوزارة العمل آنذاك وتجدون تقارير الوزارة بموقعها http://portal.mol.gov.sa/ar/Statistics/Pages/default.aspx?m=2).

المعتقد الثامن: الهيئة باعت الوهم للمواطنين بالمدن الاقتصادية

حقاً؟ قبل الإجابة، حضرت جلستين مع لجنة الاقتصاد والطاقة بمجلس الشورى لمناقشة التقارير السنوية للهيئة العامة للاستثمار، فتحمس أحد أعضاءها الموقرين واستشاط غضباً لتأخر المدن الاقتصادية وعدم إنجازها في وقتها، لولا وجود شخص مسؤول من هيئة المدن الاقتصادية في ذلك الاجتماع لكنت وددت أن أطلب منهم مساءلة فنادق بودل لأن البناء فيها تأخر كثيرا عن موعده، سوف يقول أحدكم، وما علاقتهم بفندق خاص؟ الجواب: بالضبط!

المدن الاقتصادية هي مشاريع للقطاع الخاص، مثلها مثل بناء فندق أو مستشفى أو مول، أو برج استثماري على كورنيش جدة أو حي سكني في ظهرة لبن بالرياض، هناك لبس كبير حتى لدى أعضاء مجلس الشورى بخصوص ملكية مشاريع المدن الاقتصادية، هذه مشاريع خاصة لديها مجلس إدارة ومساهمين وهم أولى بمسائلة الإدارة التنفيذية لهذه المدن عن جدولها الزمني أما الدولة فدورها تنظيمي لتهيئة البيئة الاستثمارية التنظيمية والخدمية لهم لينجحوا مقابل ربط ذلك بتنفيذ أجندة الدولة بخصوص خلق الوظائف وتنويع مصادر الدخل.

الدولة مولت الهيئة الملكية ومازالت حيث تم تخصيص 9 مليار ميزانية للهيئة الملكية مثلاً (ميزانية هيئة الاستثمار المعلنة هذا العام وصلت 179 مليون بعد أن ثبتت عند 151 مليون لأربعة أعوام مضت بدون إحداث وظيفة واحدة) ولكنها لم تمول المدن الاقتصادية ولم تمنحها الأراضي هبة كما يعتقد الكثيرون، وحتى القرض الذي تم منحه لمطور مدينة الملك عبدالله الاقتصادية كان على أُسس تجارية (أي بفائدة) وبضمان.

لكن ما دمنا في الموضوع، لماذا تأخرت المدن الاقتصادية؟

أسباب كثيرة، بعضها على المستوى الاقتصادي الكلي وبعضها يعود للبيروقراطية الحكومية، والبعض الآخر تتحمله الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارات للشركات المطورة وهو الجزء الأكبر بنظري.

أولاً: خطة عمل هذه المدن تم عملها بتفاؤل كبير قبل الأزمة الاقتصادية العالمية التي عصفت بالعالم في نهاية 2008م وهذا متغير كبير جداً حيث أثرت الأزمة على السيولة، وكثير من الشركات التي خططت للاستثمار أجلت خططها، والشركات التي كانت تحارب للحصول على عقد تنفيذ الميناء بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية مثلاً غيرت رأيها بسبب تعرضها لضغوط اقتصادية، وهو وقت أحجمت فيه البنوك التجارية عن منح التمويل للمدن الاقتصادية، وكانت بعض البنوك وقتها تحاول التعامل مع انكشاف بعض كبار العملاء مثل موضوع القصيبي والصانع.

ثانياً: مطوروا المدن الاقتصادية والهيئة لم يقدّرا بشكل صحيح الوقت اللازم أو التكلفة المطلوبة للبنى التحتية في المدن الاقتصادية، بل سيطر التفاؤل على توقعاتهما (بناءً على المتغيرات في وقت إعلان المدن الاقتصادية) وعلى خطابهما الإعلامي، وهذا خطأ جسيم من وجهة نظري، فمنطقة جبل علي مثلاً (منطقة اقتصادية خاصة Special Economic Zone) تم إنشاؤها في 1985م ولكن لم تظهر على السطح بشكل معروف إلا خلال أقل من عقد ونصف مضيا، نحن هنا نتحدث عن منطقة اقتصادية خاصة تنعم ببنية تحتية واسلوب معيشة مجاور جاذب (دبي) لا يتجاوز حجمها 48 كم مربع، بينما مدينة الملك عبدالله الاقتصادية مثلا يقارب حجمها (169 كم مربع) -حجم واشنطن دي سي- بدون أي بنية تحتية نهائيا!

ثالثاً: البيروقراطية الحكومية أخرت إصدار حزمة من التنظيمات اللازمة لإدارة المدن الاقتصادية، والتي كانت جزءاً من الوعد للمستثمرين والمطورين على السواء، فقد تطلب إصدار تنظيم هيئة المدن الاقتصادية 3 سنوات ونصف، ثم بعد صدوره بعام تم تعيين أعضاء مجلس إدارة للهيئة الوليدة، أما في حائل فالأرض التي تم تسليمها للمطور الثاني توقف العمل بها بسبب ظهور أشخاص يدعون ملكيتهم لصكوك تدخل ضمن النطاق … الخ.

وقت إعلان أول مدينة اقتصادية: http://www.alriyadh.com/2005/12/21/article117050.html

وقت إصدار تنظيم هيئة المدن الاقتصادية: http://www.boe.gov.sa/ViewSystemDetails.aspx?lang=ar&SystemID=268

وقت تعيين أمين عام لهيئة المدن الاقتصادية: http://www.alriyadh.com/2010/10/19/article569396.html

وبعد عام تقريبا على تعيين الأمين العام، تم تعيين مجلس إدارة لهيئة المدن الاقتصادية.

رابعاً وهو الأهم بنظري: الإدارات التنفيذية بمشاريع المدن الاقتصادية ومجالس إدارتها تتحمل اللوم الأكبر من وجهة نظري، فهي فلم تقم باستيعاب أن المدن الاقتصادية هي في حقيقة الأمر محركات اقتصادية، تتطلب استثماراً أولياً كبيراً يجذب المستثمرين ورجال الأعمال (الذين يصنعون فرص العمل) ومن ثم تقوم بتسويق خدمات المدينة المختلفة، وهي المرتكز الرئيس كمصدر دخل مستقبلي دائم للمطور، ولكن المطورين لم يركزوا على البنية التحتية التي تستقطب المنشآت، بل قاموا بالتركيز في البداية على ما يجيدونه أكثر، وهو بناء وتسويق الوحدات السكنية كما حدث في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية: استنزف بناء الوحدات السكنية السيولة الأولية ولم يكن هناك بنية تحتية جاهزة لتستقطب الشركات والمصانع فتوقفت وتيرة العمل بحثاً عن تمويل!

مع هذا، فإن النقد الجارف للمدن الاقتصادية ومطوريها محبط لهم، لأن هذه الشركات بدلاً من أن تستثمر (في المضمون) وفي المدن الرئيسة المزدحمة ذات السوق الجاهزة ببنيتها التحية الموفرة بواسطة الدولة، ذهبت وضخت ملايينها وملياراتها على أراض قفار في أطراف المدن، وبعضها في أطراف المملكة لم تقم الدولة بضخ سيولة لترتقي ببنيتها التحتية إلا مؤخراً، فأرى أنهم يستحقون التشجيع على هذه الجرأة وأن يتم دعمهم وتشجيع غيرهم لفتح مشاريع تكون محركات اقتصادية مستقبلية في المناطق والمدن الأقل نمواً.

آمل أن يكون في هذه التدوينة تصحيح للمعتقدات الخاطئة وبيان لأمور قد تكون خفيت على الكثير، أو عميت عنها أبصار بعض الكتاب الذي اتخذوا موقفا من الهيئة وشخصنوا طرحهم ضدها، وصوَروها على أنها سبب تردينا وتأخرنا اقتصادنا وسبب بطالة أبناءنا، وبعضهم بالغوا في نقدهم سابقاً وساقوا تهماً أدت لإيقاع عقوبات بحقهم من وزارة الإعلام، فزاد ذلك من عدائهم حيث تحول الأمر لما يشبه الانتقام الشخصي، ويظهر ذلك في طرحهم غير المتوازن وتحويل دفة أي موضوع سلبي ليربطوه بالهيئة بطريقة أو بأخرى.

الهيئة ليست كاملة وعملها – كعمل غيرها – يشوبه قصور، ولعل خطابها الإعلامي الجريء في فترة ما قد كان سبباً في تحريض الكثير ضدها بما في ذلك بعض الأجهزة الحكومية، لكنها تعمل – في حدود مواردها التي لا تقارن بمثيلاتها كالهيئة الملكية أو هيئة المدن الصناعية – على تطوير إجراءات تقييم المشاريع الاستثمارية بشكل دائم ودعم إدارة المتابعة لمعاقبة المشاريع التي لا تلتزم بشروط الترخيص وإلغاء المخالف وغير المفعل منها بشكل دوري، ولقد أشار محافظ الهيئة في مقابلته الأخيرة في صحيفة الاقتصادية أن تطوير آلية التراخيص قد بدأ في عام 2008م (حدث هذا قبل أن تبدأ الحملة الإعلامية المركزة التي قادها أحد الكتاب) وكان من نتائج ذلك انخفاض التراخيص في مجالات مثل المقاولات والمطاعم والصيانة (وهذا لا يعني أن جميع المنشآت في هذه المجالات سيئة أو غير ذات قيمة مضافة) بأكثر من 80%.

SAGIA Licenses

العمل الذي يعتمد على التقييم يشوبه دائماً خطأ ويتم تقليله بالتطوير المستمر..ففي البنوك جميع قرارات منح تسهيلات إئتمانية مثلاً وخاصة للشركات مبنية على التقييم، هل جميعها ممتازة؟ لا ولهذا توضع مخصصات لتغطية هذا القصور مالياً ولكن لا يقال أن وحدة الإئتمان يجب إقفالها لأنها هي سبب مشاكل البنك.

أود الإشارة إلى أن هذه التدوينة والأراء التي بها تمثل وجهة نظري الشخصية فقط أما بخصوص الرأي الرسمي للهيئة ممثلة في محافظها فيمكنكم الرجوع لمقابلته الموسعة المنشورة في صحيفة الاقتصادية يوم 16 يناير 2013م – رابطها موجود في الأعلى.
قررت أن تكون هذه التدوينة آخر كتاباتي بخصوص الهيئة العامة للاستثمار وأعتذر مقدماً عن عدم الرد على أي تعليقات فليس هدفي أن أقنع أحدا بوجهة نظري.