طفل في الصباح، رجل في المساء!

قياسي

في القرى، نتوق لنصبح رجالاً بمجرد أن نبدأ بالمشي. الرجولة هي طموح كل طفل، فإذا غاب أبوك فأنت رجل البيت، أنت الذي يعتمد عليه..

صبيحة يوم عندما ذهبت للدكان الوحيد بالقرية – دكان العم شعيب رحمه الله – لأشتري بُسْكت غوّار قال لي (أشاك تذري (تبذر الحبوب) معايه اليوم، أهب لك ٥ ريال في امساعة – الساعة) فلمعت عيناي وقلت له متى؟ قال بعد شوية تمرني الحراثة. أخذت البسكويت وقلت له: مروني البيت اذا جاءت الحراثة.

كان هذا بداية موسم حرث الأرض بعد أسابيع من هطول الامطار الموسمية وزراعة الذرة الرفيعة هي السائد في منطقتنا حيث نأكل منها ونبيع. والزراعة في قريتي كانت تتم بناء على الموسم الذي يتحدد بمعرفة النجوم وكان عمي علي – توفي رمضان الماضي رحمه الله- أحد الخبراء القلائل في معرفة النجوم وكانت القرية تنتظر حتى تراه يبدأ بحرث أرضه فيبدأون بحرث أراضيهم.

عدت للبيت سريعاً لاستبدل بنطلون الرياضة الذي كنت ألبسه ولبست حوك (إزار) وحزام لكي أصنع (حذلة) والحذلة هي صنع تجويف صغير في الإزار أسفل السرة (وأعتقد أن الكلمة عربية فصيحة) لكي يوضع بها حبوب الذرة الرفيعة. هذا من الأهمية بمكان حيث يتم ملئ (الحذلة) بالذرة الرفيقة ومنها تغرف بيديك وتبذر.

فيما سبق – أي قبل عصر الحراثات – كانت عملية بذر الأرض تتم باستخدام الثيران وهي عملية مرهقة جداً تستغرق أياما كثيرة حيث يتم حرث الأرض (تِلماً تِلما) أي خطّاً خطا. مازال المنظر عالقا بذاكرتي حيث كنت اصحب أبي رحمه الله وهو يحرث أرضنا على ثورين وإذا ارتفعت الشمس تجاه منتصف السماء تلحق بنا أمي ومعاه (الزوادة) أي الغداء.

لم يمض وقت طويل حتى سمعت صوت الحراثة خارج حوش بيتنا فخرجت وركبت مع شخصين آخرين بالاضافة لسائق الحراثة والعم شعيب قال لهم أنه سوف يلحق بنا على حماره.

انطلقت بنا الحراثة للأرض التي سوف يتم حرثها وبذر الذرة الرفيعة بها وماهي إلا دقائق قليلة حتى وصل العم شعيب يحمل معه الحب الذي سوف نبذر الأرض منه – وجرت العادة ان يتم انتخاب افضل نوعية حبوب من كل موسم وتحفظ ليتم استخدامها لزراعة الموسم القادم حفاظا على جودة البدور – وقام كل واحد منا بملئ (حذلته) بالحبوب واتخذنا مجالسنا على عدة الحراثة وهي مكان غير مريح رغم الكراتين التي وضعناها تحتنا لتحمي مؤخراتنا من الحديد.

انطلقت الحراثة لبداية الحقل ويتم إنزال المحراث للأرض فينغرس في الأرض ثم تنطلق تسحبنا خلفها ونحن نغرف الحبوب كل من حذلته ونبدأ بإفلاس الحبوب في (الجَلَب) وهو فتحة حديدية في رأس المحراث ينزل من خلالها الذرة لباطن الأرض. المحراث به ٥-٦ رؤوس عادة وعندما نصل لنهاية الحقل يتم رفع المحراث – ونحن جلوس فوقه – والالتفاف للعودة بنفس الاتجاه. عملية رفع المحراث وإنزاله مؤلمة لنا ونحن جلوس على كراتين واهية موضوعة على محراث حديدي. ناهيك عن ألم المحراث، التنفس والنظر هو معاناة أخرى حيث انه بمجرد ان يتم غرس المحراث والانطلاق فإن التراب القادم من كفرات الحراثة الكبيرة تستقبله ظهورنا ومؤخرات رؤوسنا والغبار الناتج من حركة المحراث تستقبله وجوهنا. الزميلان اللذان كانا بجواري محترفان فقد قام كل منهما بلف شماغ حول رأسه وتلثم به معطيا أنفه وفمه أما أنا فلم أفكر بهذا ولهذا استقبل وجهي كل الغبار.

استمر عملنا عدة ساعات حيث انهينا الحقل الاول واسترحنا قليلا لشرب الماء ثم عدنا مرة أخرى لاستقبال بقية الحقول. تشتد الشمس وحرارة الشمس مع حرارة الحراثة وحديد المحراث تلسعنا من كل جانب..

انتهينا قرب صلاة العصر وكان العم شعيب قد عاد قبل انتهائنا لكي يعرف الوقت الذي استغرقناه حيث ان حسابنا وحساب صاحب الحراثة بالساعة.

انطلق قبلنا على حماره وطلب منا اللحاق به للدكان لكي يحاسبنا.

كنت اتحرق شوقاً لاستلام أول مقابل نقدي لعمل أقوم به. سألت صاحب الحراثة كم ساعة؟ فقال ٧ ساعات، ففرحت فقد كنت وقتها في الصف الرابع تقريبا واعرف كيف احسب ٧x٥ وتخيلت ٣٥ ريال – مبلغ فخم!

وصلنا للدكان وكان من ينظر لي يموت ضحكا حيث أن وجهي ورأسي تغطي تضاريسه طبقة تراب كثيفة لا يُرى منها سوى عينان تلمعان وتدمعان بسبب الغبار الذي انتهك حرمتهما!

ناداني العم شعيب لداخل الدكان ودخلت مادا يدي لاستلام المبلغ المعلوم ٣٥ ريال فوجدته واقفا يسألني (ماهو تشا؟) فقلت ٣٥ ريال، قال لك عندي ٣٥ ريال – ماهو تشا بها؟ قلت أشاها (أريدها)!

قال زلط (أي فلوس/نقد) ماشي، هذا الدكان قدامك خذ اللي تبغاه بخمسة وثلاثين ريال.

للحظة حقدت عليه وغضبت ولكن في الأخير أيقنت أنه لا مفر. قمت باختيار بضائع للبيت فاشتريت زيت أبو بنت وسنكر وشاهي وملح وسمن (كنا نسميه خشبي أي نباتي) وصلصة وزبدة البرميل ولم أنس بسكويت غوار والميزان للإفطار الصباحي.

حملت الأغراض وعدت لبيتنا ماشياً نافخاً صدري منتشياً، لقد كسبت من عملي وصرت أصرف على البيت. عدت وأعطيت هذه الأغراض لأمي وأنا أشعر بفخر استثنائي..

ذلك اليوم، غادرت بيتنا طفلاً وعدت له رجلاً..

 

IMG_6395-0.JPG
الصورة للسيد ناصر فلوس @naser144_floos وهي من موسم هذا العام في جيزان وقد أثارتني وذكرتني بهذه القصة التي قررت مشاركتها معكم.

Advertisements

8 رأي حول “طفل في الصباح، رجل في المساء!

  1. سرد جميل ورائع لأحداث وزمن اجمل ..
    تخيلت شكلك خارجا من دكان العم شعيب عائدا للبيت، تحاول يداك جاهدة لتثبيت كرتون المقاضي الذي حاصرته مع كتفك ورأسك، قطرات العرق التي شقت طبقات التراب على وجهك ورقبتيك فصيرتها نقوش طينية، إحساس حبيبات الرمل بين حذاء (الزنوبة) وجلد القدم، التعب، الإرهاق، الحر، الشمس، كل ذلك لم يمنع ذلك الإحساس بالإنتشاء والزهو بالنفس والإحساس بالرجولة.

    هناك الكثير من الذكريات المسجونة في ذاكرتك، سنتظاهر امام بابك كل صباح حتى تحررها جميعا .. لترى النور ونرى الحياة.

  2. منى

    قصة فيها من العبر الكثير واتمنى اطفال هذا الجيل يقدرون المعاناة في الماضي ولذة التعب والانجاز
    ملاحظه ( حقدت على صاحب الدكان لوهلة كنت اتمنى يعطيك المبلغ ولكن مع احساس الرجوله والمسؤوليه اعجبني )
    ننتظر ابداعاتك وقصصك الملهمة

  3. حسن بن محمد النعمي

    قصة واقعية جميلة تحكي لنا حقبة زمنية لم يمارسها الجيل الحالي
    اشكرك على المتعه التي جعلتنا نستمتع بها ونحن قرأ التدوينه

  4. عماديه

    كتاباتك وما تتميز به من سلاسة ومتعة في السرد تحوز على إعجابي وأستنشق منها رائحة جيزان الزكية وتربتها النديه
    بارك الله فيك 🌹

اترك تعليقاً على التدوينة

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s