مدير المقصف آكل البيض!

مثبت

لا أخفي سراً إذا قلت أن برنامج التغذية المدرسية يكاد يكون السبب الوحيد لالتحاقي بالدراسة في عام ١٤٠٠هـ وقد اقترب عمري وقتها من الثامنة حيث كنت يومياً ارقب ابن عمي الكبير حين يعود ظهراً من المدرسة فيريني مالم تر عيني من قبل وما لم يتوفر قط في دكان العم شعيب (رحمه الله) – الدكان الوحيد بالقرية – فقد كان يريني (البُسْكُت) وأحياناً يكسر لي نصف حبة لأتذوقها فأتركها تذوب ببطئ في فمي وفي أغلب الأحيان يروي لي أسماء وأشكال بقية النفائس التي أكلها في المدرسة ويترك العنان لمخيلتي في تصور شكلها وطعمها. كان يخبرني عن حليب يأتي “مقرطس في باغه” لا يشبه حليب بقرتنا وغنمنا وماعزنا – عجيب! كان يخبرني عن أشياء يسميها الكيك والجبنة والشيبس والفول السوداني وانا أواصل تخيل هذه النفائس وأمسح ريقي بيدي!

تواتر الكلام في القرية عن التغذية المدرسية وتعبت من سؤال العم شعيب – كلما مررت بدكانه – عن الجنبة والفول السوداني والشيبس وهو يعيد نفس الجواب (عندي مشبك وصبّاع زينب ولبان بيض الحمام) وعندها كان لابد من الدراسة لأنهل من هذا العلم اللذيذ حتى أشبع!

قبل أيام من بداية الدراسة – وكنا نعرف ذلك بعودة المدرسين ذوي البشرة البيضاء الذين تفوح منهم رائحة غريبة عرفت فيما بعد ان اسمها صابون – ذهبت لأبي – رحمه الله – أطلب منه تسجيلي بالمدرسة فأخبرني أنني يجب أن أتصور آولاً، كيف؟ قال: تروح صامطة – تبعد عن قريتي ٢٥كلم ولا تتوفر المواصلات إليها إلا يوم سوقها الأسبوعي كل اثنين – تتصور! فبادرت و(زكّنت) على أحد أصحاب السيارت أن يمر علي يوم الاثنين وفي فجر الاثنين لبست ثوباً استلفته وركبت (الجيب الربع أبو شراع) مع ٤ آخرين وشاتين بأبنائهما فرآني أكبرهم سنا (كاشخا) فسألني لم أنا ذاهب للسوق بالثوب – ولم يكن يلبس الثوب وقتها إلا المسافر لجدة أو الرياض – فأخبرته لأتصور فقال (الله يستر على عيونك يا ولدي) فخفت واستفسرت منه وأنا الذي لم أتصور قط ولا أعرف مالتصوير فقال (الحمار – يعني المصور – يجلسك على تخت قدام مكينة وهو يروح يندس ويغطي رأسه وبعدها يطلع منها كاللهب يعمي عيونك) فأرعبني لدرجة أنني كدت أن أتراجع من أمام الاستوديو لولا أن تذكرت طعم البُسْكُت وما تخيلته عن كل الأطعمة التي ذكرها لي ابن عمي!

دخلت فألبسني المصوراتي شماغاً وعقالاً وأجلسني على كرسي وبدأ المشهد الذي ذكره (الشايب) في السيارة يحدث كما وصف فعلاً فملت بوجهي لليمين قليلاً – أعور أفضل من أعمى كما قلت لنفسي – فعاد المصوراتي يصحح من جلستي بمواجهة (الكيمرة) وإذا ذهب ليدس رأسه عدت وملت بوجهي حتى لمعت الكيمرة وقلبي يرجف بشدة! عذاب بسيط مقابل اللذائذ المنتظرة.

عدت لأخذ الصور ووجهي بها مائل قليلاً لليمين وعدت مع نفس من جئت معهم متشوقاً لإتمام إجراءات تسجيلي بسرعة فكل يوم يضيع مني يفوتني صندوق تغذية لا يعوض والدراسة على وشك البداية.

تمت إجراءات تسجيلي بملف أخضر علاقي ومعروض كتبه ابن عمي لمدير المدرسة آنذاك الأستاذ الفاضل يحي ربيع مدخلي وصورتي تزين ذلك الملف.

في اليوم الموعود الذي ارتقبته كالدهر، لم أنم ليلتها وقبل طلوع كوكب الزهرة كنت مستيقظا فلبست ثوباً خاطته أمي – أطال الله عمرها – لا يختلف عن الكرتة إلا بلونه الأبيض ولبست حينها (الزنوبة) وكنت قبل ذلك لا ألبسها إلا في المناسبات وهل هناك من مناسبة أهم؟

انطلقت ومعي بقية الطلاب لا سيما المستجدون منهم نمشي نحث الخطى باتجاه المدرسة التي تبعد ٣ كلم عن بيتنا ودخلنا من بابها نكحل عيوننا بما لم نرَ من قبل ورأينا الكثير من المدرسين منهم من يلبس جلابية ومنهم من يلبس بنطلوناً وثلاثة سعوديون أحدهم المدير الذي يأتي على سيارة من قرية مُجْعُر والآخر يأتي على دباب هوندا من قرية صاحب البار (لا يوجد بار بالمنطقة ولكنها تسمية) واسمه أحمد بازخ والآخر اسمه يحي مصلح إن لم تخني الذاكرة.

بدأ ما يسمى بالطابور فقام أحد المدرسين بالنفخ في الصافرة وبدأت محاولة صف المستجدين التي استمرت طويلاً ثم انتظمنا وقالوا كلاماً كثيراً بعضه لم أفهمه لكونه بالفصحى وكل تفكيري في التغذية التي سألت ابن عمي عنها فقال في الفسحة.

دخلنا الفصل لدى الأستاذ المصري مصطفى شعبان – رحمه الله – وكل دقيقة أسأل الطلبة الذين رسبوا أكثر مرة ويجلسون في آخر الفصل عن موعد الفسحة مع كل صافرة أسمعها حتى حانت اللحظة العظيمة..

جعلوا الطلاب يصطفون أمام أبواب فصولهم فرأيت كومتين عظيمتين من الكراتين الصغيرة أحدهما أزرق والآخر بني اللون وتم إفهامنا أن الصفوف الثلاثة الأولى تأخذ الكراتين الزرقاء والصفوف العليا تأخذ الكراتين البنية. لم أكن أصدق نفسي عندما أمسكت ذلك الكرتون الصغير ولولا أن أحد المدرسين يقف بجوارنا لأخذت كرتوناً آخر..

ذهبت كبقية الطلاب خارج سور المدرسة الصغير وجلست على الأرض وفتحت الكرتون أتأمل هذه النفائس العجيبة.. حليب ليس كالحليب وهذه هي الجبنة – التي حدثني عنها ابن عمي – ولم أستسغ طعمها كثيراً ولكني أكلتها والفول السوداني والكيك وعصير برتقال..أي نعيم هذا، فلمثل هذا فليدرس الدارسون وإلا فلا!

schoolmeal

حرصت على إبقاء نصف كل شيء لكي أستعرض بها في البيت أمام بقية أخوتي..

نعيم لا يوصف وشوق لليوم الدراسي منقطع النظير لدرجة أنهم أعادوني من منتصف الطريق أول يوم خميس وأنا أحلف لهم أن (الإستاد قال لنا نيجي) وهو يوم عطلة!!!

مرت الأيام سريعاً وانتهى عام كأنه أسبوع وبقيت انتظر بداية العام الجديد وكان أن انتقلنا من فصل الأستاذ مصطفى لفصل الأستاذ أحمد عبدالإله من صعيد مصر وكنا نقرأ القطعة الشهيرة (ناجحون..ناجحون، نجحنا من الصف الاول الابتدائي للصف الثاني الابتدائي….) وأنا انتظر الفسحة..وأجد صعوبة في إيقاف (سعابيلي) ويحين اللقاء من جديد..

مر عام كأنه شهر وفي الإجازة اشترى لي أبي (سيكل) حيث كانت آثار تعلمي لقيادته  بادية على جسمي من أثر السقوط وبقية الرؤوس السوداء من الشوك الذي سقطت عليه عندما طاردتني كلبة (فاطم موسى) وأنا عائد من دكان العم شعيب..

زينت سيكلي بالشلاشل والشطرطون وملعقة بلاستيكية ربطتها بجوار الكفر لتحدث صوتا كلما تحركت..

حرصت في يوم دوامي الأول أن أذهب على سيكلي حيث أربطه بنافذة الفصل وهذا العام انتقلنا لفصل الأستاذ الأردني أحمر البشرة أشقر الشعر محمد هاشم برهم. عندما شاهد مدى تعلقي بسيكلي خلال العام، ناداني لمقدمة الفصل وطلب مني تسميع أنشودة وبعدها مازحني إذا ما كنت مستعداً لأعطي سيكلي لابنته (غدير) على أن يزوجنيها إذا كبرنا فأطرقت برأسي للأرض طويلاً ثم هززته ببطئ مشيراً (لا ) وكان هذا أول اختبار لي في القدرة على تحديد الأولويات وأعتقد أنني نجحت!

كان للأستاذ محمد هاشم طريقة ماتعة في التدريس لكنه كان حازماً ذا صوت جهوري.

خلال هذا العام كان كل همي تذوق الكرتون البني فقد مللت من الأزرق وحفظت الوجبات اليومية وكان طلاب الصفوف العليا يرفضون المقايضة لأنهم يعرفون كرتوننا ويدعون – لا سامحهم الله – أن كرتونهم عجيب به أشياء جديدة. عبثا حاولت إقناع أحدهم بالمقايضة فلم استطع طيلة العام فقلت في آخره لأحدهم: أصلا السنة القادمة سوف آكل من الكرتون البني!

مضت إجازة الصيف كأنها الدهر وأنا انتظر تجربة الكرتون البني.. بدأ العام وأنا متشوق للفسحة حيث كومة الكراتين البنية. انتظرت الصافرة تلو الصافرة حتى حانت الفسحة فانطلقت للساحة وكذا انطلق بقية الطلاب..وساد صمت مريب!

كل منا ينظر للآخر..ننظر للساحة الترابية وليس بها سوى التراب..كيف لم يقم الفراش للآن بإخراج الكراتين من المخزن..ماهذا الإهمال..

جاء أحد المدرسين وصاح بنا (خلاص التغذية تم إيقافها).. سمعت الجملة (خلاص التغذية تم توزيعها) فضحكت وقلت للطالب بجواري ضاحكاً: كيف وزوعها قبل الفسحة؟ استمر المدرس يردد (خلاص التغذية تم إيقافها..من بكرة كل واحد يجيب فطوره معاه من البيت)…بدأت أستوعب الأمر.. صرخت في داخلي صرخة مدوية ..لااااااااااااااااااااااا

أي صدمة..أي خسارة.. في هذه اللحظة تحطمت آمالي وأحلامي..مضى اليوم كئيباً..حزيناً..من لحظة لأخرى أتمنى أن هذا كابوس وسوف أصحوا بعد قليل لأذهب للمدرسة وأتذوق مافي الكرتون البني لأول مرة!

عدت للبيت منكسراً أخبر أهلي بالمصاب الأليم..وفي نفسي أتسائل هل استمر في الذهاب للمدرسة أم اكتفي بالعلم الذي قد حزته واتفرغ لمساعدة أبي في حرث الأرض ورعي الغنم.

مضى الأسبوع الأول وأنا يقل حماسي للدراسة يوماً بعد يوم حيث أحمل معي في الصباح  (معفش أو زلابيا أو لحوح) لآكلها وقت الفسحة وبداخلي سؤال يتردد: كيف لا أذوق مافي الكرتون البني؟ هل سوف يعيدون (التغذية) الأسبوع القادم؟ ربما العام القادم؟

ناداني الأستاذ محمد هاشم وأخبرني أنه اختارني مع اثنين لمقصف المدرسة الذي يقوم بإنشاءه.. ماهو المقصف؟ قال مكان تصلحون فيه ساندوتشات يشتريها الطلاب.. شندويش؟ شندويش ايش يا استاد؟ قال سندوتش بيض وشندويتش جبنة مع مربى..

قام الاستاذ محمد بإنشاء المقصف وعمل كوبونات/أسهم أكتتب بها الطلاب بقيمة ٥ ريالات للسهم وكان هذا أول طرح أولي رأيته في حياتي قبل إنشاء هيئة سوق المال. اجتمعت قرابة ٥٠٠ ريال كان رأس مال مقصفنا فاشترينا منها الصامولي والبيض والجبنة والمربى من بقالة جديدة أكبر من بقالة العم شعيب.. كان يتم سلق البيض في المدرسة في قدر كبيرة. كلفني الأستاذ محمد هاشم بإدارة المقصف وكان هذا أول منصب إداري آكل منه عيش (بالمعنى الحرفي للكلمة) وكان معي اثنين أحدهما اسمه ابراهيم ونسيت اسم الآخر ولعله محمد..

اتفقنا في بداية أول يوم على معايير الجودة ومما اتفقنا عليه أن أي بيضة لا نحسن تقشيرها بطريقة احترافية فلا يجب أن نضعها بداخل الصامولي بل نأكلها..لكم أن تتخيلوا كيف كنا نتعمد تقشيرها بإهمال (لنزلطها) هنيئاً مريئاً حتى كادت مبيعاتنا في اليوم الأول أن تقتصر على سندوتشات الجبنة والمربى فقط!

غير ميزة أكل البيض الذي لا يتم تقشيره جيداً، أهم مزايا هذه الوظيفة كانت الإعفاء من الحصة الثالثة وكانت حصة القواعد المملة!

تبدأ الفسحة فيصطف الطلاب أمامنا وقد وضعنا أكوام الساندوتشات التي أعددناها خلال الحصة الثالثة ويبدأ البيع..كل الطلاب يقفون في هذا الطابور إلا أخي فقد كنت أعطيه سندوتشانان سمينان عظيمان بأحدهما بيضتين وبالآخر نصف علبة جبنة وملعقتي مربى..لم أعرف أن هذا – بالإضافة لتعمد تقشير البيض بإهمال – يسمى فساداً إدارياً إلا لاحقاً..

ما ان ينتهي البيع حتى أجمع الريالات وأحيانا خمسات وأحصيها مع كشف عدد الساندوتشات التي بعناها واذهب لغرفة المدرسين لتسليمها للأستاذ محمد هاشم فيجلسني معهم وينادي الفراش ليصب لي كوب شاهي فاشربه ببطء وأحرص أن يشاهدني أكبر عدد ممكن من الطلاب!

بنهاية الفصل الأول بدأ الاستاذ محمد يبني شيئاً يقال له خشبة المسرح وكان يقضي جل وقته بعد المدرسة يقص الخشب ويبني ويدهن البويا ويضع الستائر ومع بداية الفصل الثاني بدأ يوزع الأدوار ويحفظنا ما نقول وكيف نمثل وكان دوري بسيطاً مع ابن عم لي نفتتح به المسرح نلقي حواراً على مسامع الحضور وكانت أغلب تجاربنا ونحن نرعى الغنم نجأر بصوتينا حتى حفظنا النص..

كانت ليلة المسرح من الليالي المشهودة في القرية يحضرها كل صغير وكبير، بها إلقاء وتمثيل ومسابقات وغناء مع فرقة موسيقية حقيقية ويختمها كبار السن برقص المعشى وهو لون مشهور في جيزان!

توطدت علاقتي بأستاذي وفي العام المقبل كلفني بالإضافة لإدارة المقصف – وقد تحسنت لدي مهارة تقشير البيض كثيراً – بأدوار بطولة في العرض المسرحي لذلك العام حيث لعبت دور النجاشي في أحدها ودور أبي لهب في نص آخر!

ثم بدأ يشركني في طباعة الأسئلة باستخدام آلة تنسخ باستخدام ورق خاص نكتب عليه بقلم ناشف بقوة  فتبرز الكتابة ثم نضع الورقة ذات الكتابة البارزة بالمكينة ونضع عجينة سائلة سوداء ثم ندير عجلة فتنتج نسخا كثيرة متشابهة!

انتهت المرحلة الابتدائية الثرية وانتقلت للمرحلة المتوسطة في مدرسة قريبة يديرها المخضرم القدير الاستاذ الشيخ أحمد أبو طالب زربان!

بعد الصف الاول المتوسط انتقلنا لمدينة جدة..

أنهيت المرحلة المتوسطة وكنت عندما زرت قريتي أسآل عن الاستاذ محمد هاشم فيقال لي انه انتقل مدرساً بقرية كذا وكذا..ثم أنهيت المرحلة الثانوية..واستمرت زياراتي السنوية لقريتي فأسأل عنه فلا أسمع الا أسماء قرى جازانية اخرى يتنقل بينها مدرساً ومشرفاً..

التحقت بالجامعة..تخرجت…التحقت بشركة بروكتر آند جامبل حيث عملت ٨ سنوات، تزوجت وأكرمنا الله بابنتي جنى..انتقلت لوظيفة أخرى فأكرمنا الله بابنتي جود..ثم تنقلت بين عدة وظائف حتى انتقلت للهيئة العامة للاستثمار كوكيل للمحافظ ورئيس تنفيذي للعمليات..ذات يوم كنت أبحث عن شيء على الانترنت فظهر لي اسم قريتي..دخلت فإذا هو منتدى يتحدث عن قرى جازان..صور للسيل والمزارع وبيوت القرية..ثم أجد تعليقا مذيلا باسم (محمد هاشم برهم)..

Barhams

هل يعقل؟ بعد ٣٠ عاماً أجد له أثراً مرتبطاً بقرى جازان وقبائلها ويذكر في تعليقه مشائخ القرية وأعيانها وكأنهم عائلته..أي تعلق وأي حب هذا بقرى جازان وأهلها؟ كنت أقرأ تعليقه وكأنه بخط يده وكان الأستاذ محمد ومازال خطاطاً مبدعاً وكان هو الوحيد الذي يكتب كل مخاطبات المدرسة وشهادات الشكر والتقدير وإشعارات النتائج..كان تعليقه مليئاً بالحزن والحنين وهو البشوش المبتسم الذي إذا ضحك تسمع ضحكته من مسافة بعيدة!

كان الموضوع والتعليق قديمين فقد مر عليهما سنة أو اثنتان.. كتبت رداً مذكراً إياه بطالبه من فئة (المؤلفة بطونهم)..

MyLetterToTeacher

شهور مضت ثم قررت مراسلة إدارة المنتدى التي أرسلت له رسالة خاصة بحيث يتم إشعاره بها عن طريق الإيميل..

بعد شهرين أو ثلاثة يصلني إيميل منه ولم أصدق نفسي..

رددت عليه وطلبت رقم جواله..اتصلت عليه..لم يعد صوته بذات القوة التي مازلت اذكرها..علمت انه تقاعد ومن ثم عاد إلى عمان التي كانت له منتجعاً للإجازات فقط بينما سكنه الدائم هو قرى جازان..حتى صورة بروفايله في واتساب تظهر صورة مدرس شاب محاط بطلاب من قريتي، ياللعجب فمازال الأستاذ محمد هاشم يتذكر أسمائهم واحداً واحداً..أي حب زرعه الله بقلب هذا الرجل لقرى جازان..بحثت عن اسمه في الانترنت فوجدته قَدْ دخل منتدى قرية اللقية (قريتي) وكتب يسأل ان كان مرحباً به..ردود من رواد منتدى خامل يرحبون به بصورة أوتوماتيكية فهم لا يعرفونه..لقد ولدوا على الأرجح قبل عقدين على الأكثر..كيف يردون عليه وهم جلوس؟

BahramS

٣٠ عاما مرت منذ آخر لقاء أو وداع بيننا..

الأسبوع القادم سوف أشد الرحال أنا وزوجتي وابنتي باتجاه عمان الأردن..للقاء أستاذي فلقد كان له سابق الفضل إذ علمني أن أقرأ – بعد إذ كنت أمياً – ففتح الله لي بالعلم دروباً..
وكان له سابق الفضل أن هـذبني بتربية وخلق – بعد أن كنت ذا طيش – ففتح الله لي بذلك عند الناس قلوباً..
وكان له سابق الفضل أن غرس فيَ المسئولية عندما ولاني (قيادة المقصف) في صغري – بعد أن كنت تابعاً – ففتح الله لي بذلك عند الشركات أبواباً.

image

BARHAMSoldPicصورة بروفايل الأستاذ محمد هاشم في واتساب

20140316-115209-pm.jpgصورة حديثة للأستاذ محمد هاشم برهم

***************************
إضافة تمت كتابتها بعد كتابة التدوينة أعلاه بحوالي أسبوع وهي اللحظة التي سجلتها زوجتي خلسة للقائي بأستاذي في بيته في عمّان بعد ٣٠ عاما على آخر لقاء تم بيننا فتعانقنا وبكينا وقضينا أياما نحكي ونتذكر الأيام والطلاب والمدرسين الباقين والراحلين

وبعد ٣٠ عاما تلاقينا فأبكى كل واحد مننا الآخر! #مدير_المقصف_آكل_البيض

A post shared by Ali Sheneamer علي شنيمر (@sheneamer) on

****************************************

إضافة جديدة: في شهر يناير ٢٠١٦م استضفت استاذي العزيز في منزلي بجدة خلال حضوره حفل زفاف ابنه الكبير طارق الذي تزوج من سعودية وكان حفل الزفاف بهيجا بوفاء زملاء أبي طارق الذين حضروا من جيزان لمفاجأته وتشرفت بليقاهم وبعضهم من اره منذ عام  و١٤٠٦هـ كالأستاذ احمد بازخ ومدير المدرسة وقتذاك الاستاذ يحيى ربيع الذي حضر مباشرة من الرياض وجرح عمليته مازال يقطر دما والأستاذ علي صميلي

   
    
   
*******************************

إضافة في شهر إبريل ٢٠١٦: بدأ أبو طارق أولى جلسات العلاج الكيماوي الذي أخبرني باحتمال إصابته به خلال زيارته لي في جدة. أسأل الله أن يشفيه ويرفع عنه ويلبسه لباس الصحة والعافية

  

أعلان حاله الحرب

قياسي

رشفات من الخيال

دائما ما كان الانتظار متعبا بالنسبة لي وقد يدفعني بعض الاحيان للحضور متأخرا هروبا من دقائق الانتظار .

في ذلك اليوم حضرت قبل موعدي بساعة من غير أن اجد تبرير منطقي لهذه الخطوة الغير مسبوقة مني … لم أكن خائف من نتائج الفحوصات التي أجريتها قبل عدة أيام رغم اني قرأت الكثير و الكثير عن جميع الاحتمالات فقد كنت شبة جازم أن ما اصابني لا يعدو عن كونة التهاب وليس هناك ما يقلق و هنا تعجب أخر فطالما كنت اضع أسوء الاحتمالات ولكن هذه المرة لم أفعل .

في صاله الانتظار الفارغة كان كل شي و كأنه جديد الجرائد اليومية لم تفتح بعد وقد أنهى العامل تنظيف الارضية و أطلق رائحة معطر جميلة بالاجواء.

وضعت السجادات المخصصة للصلاة على اطراف الاستراحة و قد طويت بشكل جميل وكأنها تدعوني لصلاة الضحى .

ليست من عادتي أن أصلي الضحى هل هو الخوف لقد اصبحت كأصحاب الفلك الذين يعرفون الله في البحر في…

View original post 978 more words

الأحجية 

قياسي

رشفات من الخيال

لا أعلم كيف أصبحت الأمور معقدة بالنسبة لي لهذه الدرجة ، وكيف أصبحت رتيبة و ممله لدرجة أنني أعتدت عليها و أصبحت جزء لا يتجزأ منها .

ليالي باردة و أحلام شبه متكررة لأحداث سابقة قبل أن أستيقظ منها متعب ثم لأنتقل بعدها لمكان عملي الذي اصبح يتكرر فيه العمل و تنعاد الأعمال السابقة و اسافر لعقد اجتماعات تتكلم عن نفس النقاط و المواضيع .

رحلات جوية طويلة ، مقاعد طيران مؤلمة ، برودة الطائرة لا تقضي عليها ما يقدمون من أغطية و جوارب .

مطارات فارغة في ساعات الفجر الأولى تعصف الثلوج في مدرجاتها ومن بعدها سيارات أجرة تكافح خلال طرق مظلمة و مثلجة حتى المعاطف الثقيلة و القبعات السميكة لا تنجح في تحقيق المطلوب منها .

تعقد الاجتماعات ولا جديد يثار فيها ، أتناول نفس الطعام في نفس المطاعم ولكن لا طعم فيه ، اذهب في كل مرة لنفس المعالم التي زرتها و أدخل لنفس المتاحف و المعارض…

View original post 1٬033 more words

مصباح علاء الدين

قياسي

ويستمر صديقي المدوّن الجديد القاصّ المتمكن في الإبداع، تابعوا مدونته لمعرفة جديده!

رشفات من الخيال

ذات مساء ضربت فيه الوحدة أطنابها و جعلت الحكيم يحتار فيما يفعل فكيف بمن حبسة المرض و أثقل كاهله.

لم يكن يحب أن ينظر إليه الأخرون بنظره عطف لذا رأى أن العزلة خيراً له من روح الشفقة و الانهزامية لذا فضل الأعتزال في جناحه الطبي الفاره في إحدى المستشفيات الخاصة .

تراقصت الاصابع الضعيفة على شاشة اللوح الكفي ما بين برنامج و أخر لعلها تجد لصاحبها ما يجلي عنة بعض همومة و تفرج عنة ظلمة السجن الذي وضع نفسة فيه, لقد اصبحت جدران زنزانة الوحدة تضيق يوماً بعد يوم حتى كادت أن تطبق على أنفاسه .

دخل الكثيرين لذلك الموقع لغرض التسلية وقد دخل هو لغرض الهروب من واقعة .

اختلق له اسم و صنع له صفحة جعلها من نسج خياله كأن فيها كما أراد أن يكون وليس كما صنع به الحاضر و بشخصية يتحدث بها مع ذاك و مع تلك .

بعد فترة من الوقت أكتشف أن الجميع وضعوا…

View original post 1٬372 more words

مشاعر حطمها الماضي

قياسي

أخي وصديقي وزميلي (السابق) عبدالله الشهراني بدأ التدوين أخيراً..اهلًا بك أبا راشد

رشفات من الخيال

حلم الزواج يختلف في منظوره ما بين الرجل و المرأة ولكن الكل يحلم فية ولم تكن عواطف بأستثناء عن هذه القاعدة فقد رسم خيالها الكبير خريطة واسعة لمملكتها الصغيرة قبل أن تزف لزوجها الشاب ذو الملامح الصارمة .

لقد رحلت لبلاد بعيدة حيث يسكن زوجها مهندس الاتصالات في أحدى السفن التجارية الكبيرة و التي تعبر البحار لتجد نفسها حبيسة البيت في أرض غريبة لا تجيد حتى لغة أهلها ولكن لم تكن هذه هي المشكلة فقد وجدت الكثير من الاعمال داخل تلك الشقة الصغيرة على أطراف الميناء قبل أن تنتظر من الشرفة قدوم سفينة زوجها الغائب ولكن سرعان ما أصبح هذا الشوق يقل مع الوقت … كيف لا يقل و هو يواجهه بزوج لا يرى أي جمال فيما تصنع ولا يجد من معاجم اللغة الا كلمات بسيطة لا تزيد عن التحية و الوداع و السؤال عن الحال الذي يندرج ضمن المجاملة الاجتماعية .

فشلت كل محاولاتها في معرفة كيف تتعامل مع…

View original post 764 more words

خور أُبحر – من النهر الكاذب الى اليوتوبيا المخطوفة

معرض

تدوينة عظيمة للمبدع محمود صباغ عن أبحر، نهر جدة الكاذب!

mahsabbagh

 “وفي عشيّ يوم الأحد ثانية أرسينا بمرسى يُعرف بأبحر، وهو على بعض يوم من جدة، وهو من أعجب المراسي وضعاً، وذلك أن خليجاً من البحر يدخل البر والبر مُطِيف به من كلتا حافتيه فتُرسي الجلاب منه في قرارةٍ مُكنّة هادئة. ”  – ابن جبير الأندلسي، رحالة القرن الثاني عشر.

*
جدة وأهلها.. تتبدل مراتع فسحاتهم وشطوط سرحاتهم*، لكن هواهم نحو الترف وحلو الحياة ثابت.

واذا استثنينا طقس الخروج الى جزيرتيّ أبي سعد والواسطة.. كانت نزهة الأهالي البحرية تتجه شمالاً.. وتبتعد هاربة كلما لحقت بها حركة العمران.. من بحر الطين (أو الأربعين)، الى رأس قحّاز، الى غبّة عشرة، حتى ضاحية أبحر.

في بحر الطين حيث كان يجلس حمزة شحاتة مع صديقه أحمد قنديل على ربوة يهيمان وجداً بنسنسة الهواء البحري، ويقضيان الساعات في محاورات الأدب وآمال الشباب غير عابئين بموعد اغلاق باب البلدة الشمالي في الساعة الواحدة بالتوقيت الغروبي أو العربي.. في تلك التلال كانت تلتئم مجالس الوجهاء منذ…

View original post 1٬252 more words

المشاعر المقتضبة!

قياسي

لا أعلم هل أصبح وقتنا أكثر أهمية أم أن مشاعرنا أصبحت أقل إنسانية..وأكثر جفافاً..

أذكر في قريتي قبل عقود ثلاثة مضت كنّا نفرح بصدق وكما ينبغي للفرح أن يدوم ونحزن بعمق وكما ينبغي للحزن أن يدوم..

أفراحنا كانت تتعلق بمناسبات اجتماعية ليست مختلفة عن مناسبات اليوم.

حفلات الطهور (الخِتان) كانت تستمر ٣-٥ أيام، يسمع بها القاصي والداني ويدعى لها الأقارب والجيران والأصدقاء والقرى المحيطة ويجتمع الناس يرقصون الرقصات الشعبية على قرع الطبول وتذبح الذبائح ويشارك الجيران في الطبخ والولائم ويكشخ (الدّرم: الشخص الذي يتم طهوره) ويتلقى الهدايا المالية ويتزين بها تحت طاقيته..

كذلك حفلات الزواج تبدأ قبل الليلة المحددة بأيام تقوم خلالها سيدة بالمرور على بيوت القرية بيتاً بيتاً تعزم النساء بشكل شخصي باسم صاحبة الدعوة بدون كروت دعوة قائلة (فلانة حابّة حضوركم ليلة كذا وكذا) أما الرجال فلا يحتاجون دعوة، فيشارك الجميع في الفرح ويتم تقديم الهدايا المادية (الرفد) والعينية (الذبائح) ويستمر الفرح حتى بعد تلك الليلة حيث تقوم ذات السيدة التي مرت على البيوت تعزمهم بجولة ثانية توزع خلالها الحلويات الشعبية وقطع القماش كهدايا للمقربين..الجميع يشعر بالفرح ويشارك فيه وينشره..

في الحزن أيضاً يحزن الجميع، بصدق. فإذا مات شخص في القرية، تحزن القرية عن بكرة أبيها فتختفي كل مظاهر الفرح والتسلية فلا نشغل التلفزيون لأسابيع ولا تسمع صوت مذياع يصدح بغناء من بيت أو سيارة..تشعر بألم الحزن في كل زاوية ومظهر الحزن بادياً على كل وجه تقابله ويستمر الجميع في ذكر مآثر المتوفي وذكرياتهم معه/معها لشهور..

مناسباتنا اليوم فرحها كحزنها..مقتضب، لا نفرح بحق ولا نحزن بحق..الفرح والحزن ينبغي أن يأخذا وقتهما ونحن لم يعد لدينا هذا الوقت..أو المشاعر!

نذهب للعزاء لنجلس لدقائق نقوم بعدها نربت على أكتاف أناس اصطفوا لجعل حزننا مقتضباً طيلة الثوان التي تفصل بين أول الصف وآخره..

نذهب لحفلات الزواج فيصطف الناس لنسلم عليهم بنفس الطريقة ونهمهم بنفس الكلمات ونجلس في صمت كجلوسنا بانتظار انتهاء مقاطع القرآن في العزاء..يأتي وقت العشاء فنقوم نتسابق للأكل ثم ما نلبث أن ننسحب خارجين عائدين لبيوتنا..

تباً لمشاعرنا المقتضبة..

الزهرة، بائعة المزهرية

قياسي

قبل أسابيع كانت أختي المُدرّسة بإحدى مدارس البنات بجدة تسأل في جروب العائلة على واتساب إذا فيه أحد فاضي مساء يوم ولعله كان الخميس وعندما سألتها قالت أن إحدى طالباتها النجيبات شاركت بمعرض فني كبير تقيمه الوزارة وأنها سوف يتم تكريمها وقد تفوز لوحتها بجائزة المعرض. في يوم الجمعة وبعد الصلاة نجتمع كالعادة عند الوالدة أطال الله عمرها فسألت أختي عن المعرض الفني وكيف كانت نتيجة المسابقة.

أجابتني بنبرة حزينة وتقول لي الطالبة تقريبا في حالة انهيار من أمس. سألتها لماذا؟ فقالت وصلنا أنه سوف يتم تكريم الطالبة وابلغناها بذلك لكي تحضر فلم تحضر فقط بل أصرت أن يحضر معها كل أفراد أسرتها فقد كادت أن تطير من الفرح فذهبت للمعرض معهم في الصباح وعندما وصلت ومعها أمها وأبيها وإخوتها جلست تنتظر فقرة التكريم التي عادة تكون في آخر فقرات الحفل. عندما بدأت الفقرة تحفزت تنتظر اللحظة التي سوف ينادون فيها على اسمها لتنطلق للمنصة رافعة رأسها ورأس أمها ورأس أبيها.

انتهت فقرة التكريم ولم تسمع اسمها..ذهبت للمشرفات عن الحفل فأخبرنها أن اسمها ليس ضمن القائمة وأن لوحتها لم تفز..كيف؟ لقد وصل خطاب لمدرستي بذلك؟ 

تقول أختي في تلك اللحظة انهارت البنت بكاء مريراً ليس حزنا على عدم الفوز ولكن لانها أحضرت كل أفراد أسرتها ليحتفلوا بها وتفتخر بإنجازها أمامهم وتشعر أنها “تفشلت” وهذا الفشل ظهر جليا في الحزن البادي على وجه أمها اللتي تغالبها الدموع حزنا على ابنتها التي علقت الكثير من الآمال على هذا التكريم وعلى الفوز بجائزة لقاء لوحتها التي وضعت فيها الساعات الطوال من الجهد التي أتعب أناملها الصغيرة وجعل عينيها تكتسيان باللون الأحمر بسبب التركيز الدائم على تفاصيل الكروشيه.

قلت لأختي ما أهمية هذ الموضوع؟ ماهي قصتها؟

قالت: في البداية كنت أبحث عن موهوبات في المدرسة ووضعت إعلاناً داخلياً أبحث فيه عن من تعرف تشتغل كروشيه وكانت ولاء وقتها في الصف الرابع وهي من عائلة المظلوم فيهم فنانين والأم تشتغل تريكو وهو شغل بالخيوط والسنارة بس يختلف عن الكروشيه جائتني وقالت أنا أعرف اشتغل وهي كانت بالكاد تمسك السنارة والخيط وتشتغل سلاسل بس بدون هدف وكل همها تشتغل مثلي وبعدها كانت تستغل حصص الاحتياط وتنزل عندي أعلمها بعض الغرز وكانت تفتح يوتيوب وتتعلم منه في البيت وصارت تشتغل أعمال صغيره زي فستان لعبة أو سلسلة مفاتيح وبعدها أحسست أنها ملت من الأشياء الصغيرة وتريد عمل شي أكبر.

صارت تتعلم غرزاً جديدة من اليوتيوب وأتفاجأ أني لا أعرف بعضها وصرت أنا معلمتها أتعلم منها غرزاً جديدة.

بعد مرور سنة أصبحت ولاء في الصف الخامس وقد أبهرتني بأعمالها ودقتها وأصبحت تنافسني في إبداعها وأصبحت بالنسبة لي صديقة أكثر من كونها طالبة. نتشارك الحديث عن هوايتنا المشتركة، نقضي وقتاً طويلاً دون ملل وفي الفصل الدراسي الثاني من العام الماضي وصل تعميم عن مسابقة للتربية الفنية برعاية شركة كبيرة بجدة لديها اهتمام بالفن التشكيلي – سوف أشير لها هنا باسم (الشركة الراعية) – وكانت مسابقة تضم عدداً كبيراً من المجالات الفنية. في البداية لم اهتم بالمسابقة لأن المجالات كثيرة وآليتها صعبة تناسب بشكل أكبر المرحلة المتوسطة والثانوية وأيضاً لأن التعميم وصل متأخراً للمدرسة ولم يتم تدريبنا نحن المعلمات على فهم هذه المسابقة فلم أعرف كيف نشارك فلم اهتم وبعد أسبوع تقريباً من وصول التعميم طُلب منا حضور اجتماع لمناقشة المسابقة وفعلاً حضرت – ليس لاني قررت المشاركة مع طالباتي لضيق الوقت – ولكن كنت أفكر في السنة القادمة وخاصة أن هذا التعميم له سنتين يُرسل للمدارس ولكن لم نفهمه ولم نعطه أهمية فقررت أن أفهم المسابقة لنحضر أنفسنا لها السنة القادمة وبعد الاجتماع فكرت لم لا أبدأ الآن و ليس مهماً أن يشترك الطالبات من خارج المدرسة أو من داخلها ولكن كان هدفي أن انشر الفكرة ليسهل علي السنة القادمة العمل عليها بسهولة وفعلا وزعت إعلانات في المدرسة وخارجها وقمت بعمل اجتماع لامهات الطالبات للتعريف بالمسابقة والجوائز ونشرت تعريفاً بمجالات المسابقة في الاذاعة المدرسية وفي حصص الفنية وحصص الاحتياط ولم أكن أتوقع تفاعل الطالبات للمسابقة.

جميع طالبات المدرسة من رابع وخامس وسادس قدمن أعمالاً ولكن لم متقنة بجودتها. كان هناك أربع طالبات موهوبات كنت أركز عليهن جلست معهن واخذنا نفكر في فكرة لأن من شروط المسابقة أن تكون فكرة جديدة ومبتكرة.  كل طالبة منهن كانت موهوبة في شي معين، ولاء قالت أنا اشتغل كروشيه بس كيف أسوي فكرة جديدة والطالبة سقطرى كانت موهوبة في رسم الأنمي والشخصيات و الطالبة منى كانت تحب الأشغال اليدوية بالورق ومريم كانت تحب القص ودقيقة جداً في التفاصيل.

استغرقنا أسبوعاً نفكر في أعمال جديدة، سقطرى قامت برسم  زي شعبي قديم على الخشب وقامت بتلوينه بالنسكافيه بدلاً عن الحرق وكانت فكرة التلوين بالنسكافيه هي الفكرة الجديدة في اللوحة وقد عرضت اللوحة من ضمت اللوحات المشاركة في المعرض ولكن لم يذكر اسم الطالبة.

 أما مريم فقد اختارت الجلد وقد صنعت فراشة بخامات مختلفة من الجلد ولكن لوحة مريم استبعدت في بداية التصفيات وكانت حزينة ولكنها عبرت بكلمات جميله يكفيني شرف المشاركة.

منى كانت لوحتها عبارة عن مزهرية من أوراق المناديل وفيها إعادة تدوير للمناديل، كانت لوحة جميلة ولكنها أيضا استبعدت والغريب أننا لا نعلم للآن مصير هذي اللوحة فقد اختفت وقد سألت عنها والجميع يقول لم نرها وما زالت منى للان تبحث عن لوحتها.

أما ولاء فكانت تريد شيئاً مميزاً وفي كل يوم يأتي بفكرة وتقول ‘بس برضو يا أبله أحسها مو جديدة’ وفي النهاية قلت لها لا يوجد وقت وكانت توجد لدينا لوحة لمزهرية جاهزة فقلت لها لماذا لا نحول هذه اللوحة إلى تحفة فنية قالت كيف طلبت منها أن تشتغل وردات كروشية أاحجام مختلفة وبألوان هي تختارها وتنسقها وفعلاً عملت بحماس، كانت تشتغل في كل الأوقات وكنت أراها وقد وضعت الخيط في جيب مريولها ليكون معها في كل وقت والسنارة في يدها تشتغل وهي تسير في الممرات وفي الطابور والفسحة.

الوردات جداً صعبة وتأخذ وقتاً طويلاً جداً وأيضاً أوراق الشجر بأحجام وألوان عدة وبعدها حانت مرحلة التثبيت على اللوحة وهي فترة استغرقت ثلاثة أسابيع تقريباً لإنجازها. كانت ولاء كلما أنجزت مرحلة تقول ‘يا  أبله خايفه ما أفوز’ فأقول لها ‘عادي انتي بتشاركي مو من أجل الفوز، انتي تشاركي من أجل أن تستمتعي وتتعلمي أكثر’ وفعلا تم الانتهاء من اللوحة وتقديمها للمكتب التابع له مدرستنا وبعد شهر تقريباً، أخبرتني المشرفة أنه تم استبعاد لوحة الطالبة مريم واستمرت ثلاث لوحات.

وبعدها اختفت أخبار المسابقة وفي بداية هذي السنة تواصلت مع المشرفة أسأل عن اللوحات وماذا حصل في المسابقة فأخبرتني أنه ربما حدثت مشاكل في المسابقة وتم إلغائها وسألت عن كيفية استرداد لوحاتنا فقالت لا أعلم أين هي الآن فقد سُلمت للجنة (الشركة الراعية) ولا أعلم عنها شيئاً. كانت الطالبات يسألنني عن لوحاتهن ولكن لم تكن لدي إجابات وكنت أتحرج منهن وفي النهاية أخبرتهن بما وصلني من أنه تم الغاء المسابقة. الجميع استسلم ولكن ولاء لم تستسلم فقامت بالبحث عن حسابات (الشركة الراعية) في الانستجرام وتواصلت معهم يومياً ولم يرد عليها أحد وبعد مرور عدة شهور قاموا بالرد عليها أن للوحة قد وصت للتصفيات النهائية!

لم تصدق ولكنها ارسلت لي تبلغني أنها لا تريد الاستمرار في المسابقة وتريد استرداد لوحتها التي صنعتها بحب فلها قيمة عاطفية كبيرة لديها ولم تكن واثقة من أن المسابقة لها نهاية أصلاً. أخبرتها أن تصبر وكون اللوحة وصلت للنهائيات فهذا ممتاز وطلبت منها أن تصبر لنهاية العام ثم تواصلت مع المسئولة عن المسابقة من (الشركة الراعية) وقد أخبرتني أنهم بانتظار توفر معرض لعرض اللوحات وأنه سيتم إرسال خطاب للمدارس الفائزة لحضور حفل تكريم الطالبات وفعلاً بعد فترة تم الإعلان عن المعرض وقد وصل خطاب لمدرستها من إدارة التربية والتعليم – قسم النشاط – بأسماء مجموعة من الطالبات اللاتي تأهلت لوحاتهن للتصفيات النهائية وكان اسم ولاء من ضمن القائمة.

عند سماع ولاء للخبر كادت أن تجن من الفرح واتصلت علي من جوال إحدى المعلمات تخبرني بأنه اليوم في الساعة 11 قبل الظهر سوف يتم تكريمها وتريدني أن أكون حاضرة لأنها تعتبر وصولها ليس مجهودها وحدها بل تقول “وصولي كان بفضل الله ثم بفضلك ودعمك”. للأسف لم استطع الحضور لعدم توفر المواصلات وقتها ولانني بلُغت بالحضور في وقت متأخر، حاولت ولكن لم استطع وكنت على تواصل معها طوال الوقت.

انتهت أختى من سرد قصتها فحزنت بسبب ما تعرضت له البنت من إحباط ولكن بداخلي قلت لعل لوحتها لم تكن جيدة وأنه ربما تم إخبارها خطأً بالتكريم بسبب سوء تخطيط من الجهة المنظمة وتم دعوتها خطأ.

قبل يومين وضعت أختي صورة اللوحة التي شاركت بها هذه الطالبة في المسابقة في جروب العائلة في واتساب فأذهلني جمالها ودقتها وتفاصيلها الفنية مقارنة بالفئة العمرية لطالبة في الابتدائي. سألت عن جوائز تلك المسابقة التي سببت لها كل هذا الألم – والتي كانت ولاء تطمح للفوز بإحداها بالإضافة للتكريم المعنوي – فقالت أختي تراوحت الجوائز بين ٣-٥ آلاف ريال. 

شعرت أن هذه اللوحة الفنية قيمتها أكثر من المبالغ المرصودة كجوائز لتلك المسابقة فقررت أن أطرحها عليكم في مزاد ولكن حتى تكتمل الصورة طلبت من أختي أن تطلب من الطالبة أن تشرح بنفسها قصة هذه اللوحة وأهميتها بالنسبة لها..

أرسلت لي الطالبة ولاء هذه القصة وهي كما ذكرَتها هي ولم أغير فيها إلا إضافة الهمزات وبعد التغييرات التي تتطلبها قواعد النحو – رغم ضعفي في ذلك – فهي للتو قد اجتازت المرحلة الابتدائية ..

أترككم مع ولاء تحكي قصتها/شغفها/انكسارها:

“في يوم من الايام، عندما كنت في الصف الرابع طلبت أختي الكبرى من أمي أن تصنع لها من حياكة الصوف تلبيسة للهاتف المحمول لمادة التربية الفنية وعندما بدأت أمي بالحياكة رأيتها كيف كانت تصنع من الصوف قطعة جميلة ومدهشة وبألوان مختلفة.

 أعجبني كتيراً هذا الفن الذي يسمى فن الكروشيه وجذبني إليه خاصة عندما رأيت أعمالا رائعة للغاية في الانترنت وأشكالا لا أستطيع أن أصف جمالها.

ولأن  ذلك الفن يجعلك تصنعين (شيئا من لا شيء) فقد طلبت بعد أيام من أمي أن تعلمني ذلك الفن فاحضرت كل ما أحتاج إليه من صوف ومقص وسنارة وبدأت المحاولات وشعرت أن هناك موهبة لكنها مدفونة…وكنت أطلب من أخي شراء الصوف بألوان وأشكال مختلفة كلما ذهب إلى السوق…وبعد فترة ومع تكرار المحاولات الصحيحة منها والخاطئة، شعرت بالملل وتركت هذا الفن طيلة الإجازة الصيفية وحتى الصف الخامس وفي نهاية الفصل الدراسي الأول سألت المعلمة في فصلنا عن من يستطيع اتقان هذا الفن فشاركت بهذا النشاط ومن هذه اللحظة بدأ المشوار الفني فأصبحت اتقنه أفضل بكثير من الماضي…وبعد عدة أشهر أعلنت معلمة التربية الفنية عن مسابقة ستقام على مستوى محافظة جدة. لم أفكر بالمشاركة لضيق الوقت وأني لا أحسن تطبيق الورود وأوراق الشجر…ولكن معلمة التربية الفنية كانت من أول من دعمني لذلك وشجعني للمشاركة…فأخبرتني عن فكرة إحضار لوحة مرسومة ونقوم التطبيق عليها بفن الكروشيه…فأحضرت لي ألوان متنوعة من الخيوط للتطبيق بها…وتطبيق ورود متنوعة الأشكال والأحجام وتطبيق أوراق شجر…فبدأت إجازة منتصف العام فأصبت بالحمى ومع ذلك قمت بإنجاز أول وردة جوري كانت جميلة ولكنها صعبة جداً ولكن توكلت على الله …ومع ضيق الوقت بذلت كل جهدي وبمساعدة معلمتي التي أصبحت علاقتي بها أقوى  وشعرت وكأنها أمي انتهينا من اللوحة.

بعد تفكير..انجاز..تعب..بذل مجهود..تنسيق اشتركت بها بموقع المسابقة الخاصة وقمت بتعبئة المعلومات المطلوبة…بتشجيع ومدح مستمر من صديقاتي، معلماتي، أقاربي..واشترك ثلاث من زميلاتي فحصل بيني وبين واحدة من صديقاتي خلاف بسيط لأن لوحتها تشبه فكرة لوحتي ولكن لوحتها كانت باستخدام المنديل. شعرت أني أنانية جداً وأني أخطات كثيراً بحقها فتصالحنا لأننا صديقات كلأخوات..ومن ثم اشتركنا بجميع اللوح في الموقع الخاص وقمنا بتعبئة المعلومات المطلوبة…وبعد فترة بسيطة أخبرتني معلمتي بكل فرحة وسرور بأني قد تجاوزت التصفية الأولى، أنا واثنتان من زميلاتي وبدأت بيننا المنافسة وكل واحدة منا تريد الفوز…وبعدها أيام ثم أسابيع ثم أشهر ولا حس ولا خبر للمسابقة…حاولت التواصل معهم من جميع الجهات …وطلبوا رقم جوال والدي…واتصلوا في ظهر يوم  واخبروني باني تأهلت من بين 50 مشتركة للنهائيات مع وزميلة واحدة من المشاركات من مدرستي.

فرحت فرحاً لا يوصف..ثم توقفت أخبار المسابقة مرة أخرى وبعد فترة طويلة من محاولة معرفة أي خبر عن المسابقة، طلبتني رائدة النشاط إلى غرفتها ونسيت ذلك ودخلت لاتحدث مع معلمة التربية الفنية فطلبتني الرائدة وأخبرتني أن هناك رسالة جوال وصلتها مكتوب بها:

“السلام عليكم ورحمة الله عزيزتي/لديكم الطالبة: ولاء مجدي عادل، فازت في أولمبياد (الشركة الراعية)، نبغى رقم جوالها ضروري”

وعندما رأيت تلك الرسالة فرحت فرحاً لا يوصف بدأت دموع الفرح تتساقط في عيني.. وشعرت كأن الدنيا فتحت لي ولم أصدق ذلك واخبرت كل صديقاتي ومعلماتي فرحوا لي كثيرًا…وكان أولهم معلمتي بهية..شعرت وكأني ولدت قبل قليل من بطن أمي ..لم أصدق الخبر من الفرح والسرور..وطلبت من معلمتي رقم لموجهة المسابقة فأعطتني إياه واتصلت وأخبرتني أني فائزة…وأخبرتني أن أحضر معرض المسابقة وكان من المحزن أن معلمتي/ملهمتي لن تذهب للمعرض..حزنت كثيرًا وشعرت أن الفرحة لن تكتمل من دونها..أصررت أن يذهب معي كل أفراد أسرتي وعندما وصلت تفاءلت كثيرًا..وتفاءلت أكثر عندما رأيت لوحتي في المعرض…

بدأ المعرض بإعلان الفائزين وكنت انتظر اسمي بكل لهفة ولكن للأسف تفاجئت بعدم وجود اسمي ..في تلك اللحظة لم أتمالك أعصابي فبدأت بالبكاء ولم استطع التحدث.. اتصلت معلمتي علي ولا أعلم كيف أرد أو من أين أبدأ..بدأت أسأل المسئولات وكل واحدة لا تعلم عن شي..تجمعوا حولي لتطييب خاطري ولكن ذلك لم يكن كافيا لخيبة الأمل التي كنت فيها.. وسألت من أرسل رسالة الجوال بأني فائزة ولم يكن جوابهم مقنعاً أبداً وحتى هذه اللحظة وأنا اكتب قصتي ودموع الحزن في عيوني..وأكثر شيء أحزنني هو أنني خيبت أمل أسرتي التي حضرت معي بسبب إصراري وتلك النظرة الحزينة على وجه أمي..

كرهت كل لحظة كنت انجز فيها للمسابقة وكلما تذكرت كل لحظة من قصتي أشعر بالحسرة والحزن لا أعلم لماذا تم استبعادي بعد اختياري، لا أعلم ما هو السبب..هل لوحتي سيئة؟ وبعد كل هذه الأحداث، أنا الآن أروي ما حدث ممتنة لكم ولتعاطفكم معي لأني بحاجة إلى ذلك..لا أعلم لمن أشكوا لأن الشكوى لله وحده”

هذي قصة ولاء مع هذه اللوحة الفنية الفريدة..اللوحة التي أتعبتها في كل مراحلها حتى عندما أشيع أنها ستفوز بجائزة مالية مجزية..

هذه اللوحة التي بسببها انكسرت ولاء..الطفلة البريئة الموهوبة..

لا أدري هل تم استبعادها بترتيب أم أن في الموضوع سوء تواصل أو سوء فهم..ما حدث قد حدث ولا يمكن تعويضها عن تلك اللحظة الاستثنائية التي انتظرتها بشوق مع كل فرد من أفراد أسرتها..

إذا كُنتُم تقدرون الفن والجهد فشاركوا معي بنشر قصة ولاء لنشيد بجهدها وإبداعها..

سوف أطرح هذه اللوحة بالمزاد هنا وتتم المزايدة عليها في خانة التعليقات على التدوينة..أتمنى أن تكون المزايدة جادة وحقيقية..عندما ينتهي المزاد في تمام الساعة ٩ من مساء الجمعة سوف أعطي جوال والد ولاء لصاحب/صاحبة أعلى رقم في المزايدة ليتواصل معهم مباشرة لاستلام اللوحة وتسليمهم الثمن مباشرة.

فضلا إذا لم ترغبوا بالمزايدة، قوموا بنشر القصة لتصل لأكبر عدد ممكن تحت هاشتاق #مزاد_مزهرية_الطالبة_ولاء، سوف أبدأ المزاد بنفسي بمبلغ ٢٥٠٠ ريال..

هنا صور للوحة مأخوذة بالجوال ومقاسها ٦٥ سم في ٥٥سم.