(٨ والأخيرة) رحالة الصحراء – انطباعات ما بعد الرحلة

قياسي

بعد وداع بقية الرحالة في مطار حائل وعودتي لغرفتي في الفندق وحيداً انتظاراً لرحلتي لمدينة جدة في الغد.. جلست أتأمل في مالذي استفدته من هذه الرحلة..وهذه الانطباعات ليست مرتبة من حيث الأهمية..

١. ليس شرطا أن لا تذهب في رحلات إلا مع من تعرف! التعرف على شخصيات جديدة هي متعة بحد ذاتها وأنا هنا لا أتكلم عن رفاق الرحلة فقط بل كل شخص قابلته خلالها بما فيهم الراعي البنغالي وعباطة وعم علي وضبيب!

٢. مفهومنا عن نظافة الاكل أو الـ(فود هايجين) خطأ! لو أننا بمطعم فاخر وقام الجرسون بعصر الليمونة بيده على طعامك لرفضت أكله.. لقد كنا في الصحراء نأكل خبزاً يدفن تحت الرماد والتراب ويعجن بدون ‘قلوفز’ على يدي الزول الطيب.. ومع هذا لم نتأفف ولم نصب بإسهال! اعتقد في المدينة قلقنا من نظافة الأكل يعتمد على الناس من حولنا والمكان الذي نحن فيه، اذا كنا بسيطين بين اناس بسطاء في مكان بسيط فإن الامور تصبح ‘عادية’!

٣. المدنية سجن يجب الخروج منه بين فترة وأخرى! كنت مستلقياً في فراش غرفتي بالفندق أتأمل سقف الغرفة الابيض الجبسي بينما كنت في الليلة التي قبلها أنظر لسقف غرفتي المرصع بالنجوم اللامعة في ذلك الفضاء وكنت ليلتها أنام في أكبر غرفة على الاطلاق!

٤. الخروج من منطقة الراحة (كومفورت زون) يساعدك على رؤية الامور بشكل مختلف، بشكل افضل! كل منا تعود على الروتين القاتل.. نفس السيارة، نفس الطريق، نفس المسافة، نفس الوقت .. لابد ان نخرج لنعيش الاحتمالات المختلفة.. لنجرب فقدان التحكم في بعض المتغيرات التي لن تقتل أحدا..

٥. هذا العالم أكبر من بيوتنا وشوارعنا وأحيائنا ومدننا.. نعرفه فقط عندما نخرج للصحراء عندنا لا تتميز الاتجاهات بشيء!

٦.الانسان أكبر مدمر لما يحب! لم اأصور أن أجد نفايات غير نفايات الحيوانات في صحراء النفود ولكن كمية الأسلاك الحديدية (يتم ربط حزم البرسيم بها) في كل مكان، علب المشروبات الغازية، عبوات الماء البلاستيكية الفارغة، أكياس.. عجيب أمر هذا الانسان!

٧. الكرم معد! انظر لحالنا في بيوتنا الخرسانية لو زارنا شخص نعرفه بغير موعد لبدا علينا عدم الارتياح فما بالك بشخص لا تعرفه فإنك قد تنظر له من خلال العين السحرية ولا تفتح له الباب أصلا! أقارن هذا بحال الراعي البنغالي في تلك الصحراء وهو يصر علينا ان نمر لنتقهوا لدى كفيله! لقد تعرض ذلك الراعي للعدوى.. سوف يتم ترحيله لو انتقل لكفيل في المدينة بمجرد أن يحضر له أول ضيف!!

بهذا تنتهي سلسلة مدوناتي عن رحلة قطع صحراء النفود على ظهور الابل ومشياً على الأقدام..

أشكر الاخ محمد القويز على دعوته لي لهذه الرحلة وأشكر الأخ طارق السديري الذي بذل مجهودا كبيرا ليمكنني من الانضمام للرحلة وبذل مجهودا جبارا في تنظيم وقيادة الرحلة والرحالة واشكر الاخوة مازن الجبير وعبدالعزيز العمران وفهد العمران ود. بدر البدر على منحي الفرصة للتعرف عليهم بشكل أفضل وتحمل ثقل دمي أحيانا وتعليقاتي الساخرة وأشكر الزول الطيب علي على معاونتنا وعلى طبخه الرائع واشكر عباطة الرمالي على روحه المرحة ونصائحه الطبية التي لن اطبق منها شيئاً واشكر اهل الكرم الشمالي واشكر من تابع هذه المدونات التي حاولت ‘تمطيطها’ لإضفاء حالة من الترقب..

الشاعر ناصر القحطاني مدح شمّر في قصيدة رائعة ولا اعتقد انه اوفاهم حقهم..

الشمس غابت وكل دور اسراجه
والشوق جمّر ماحرّ الشوق لا جمّر
دام اتجاهك شمال مودعك حاجة
سلم على حايل وسلم على شمّر
قدامك الخافق اللي ينشد علاجه
كنّه معلّق على برزان ومسمّر
وانت اتعرف يا بعد حيي من تواجه
بيضان الأفعال لا من الزمن سمّر

الى ان يقول:
مانيب متحسف بشعري على حاجة
الا أني اروح ولا غنيت في شمّر!

(7) رحالة الصحراء – هرفي برجر!

قياسي

استيقظنا مبكرا كالعادة في صباح يوم الاثنين متوثبين مستعدين لتحقيق هدف الرحلة بالوصول لمدينة ‘جبة’ التي ينطقها عباطة الرمالي ‘جُبَّيْ’ وتحلقنا – كعادتنا الصباحية – حول نار المخيم ليدب الدفئ في أجسامنا ونشرب القهوة العربية ونتناول معها التمر ونشرب الشاي والحليب.

البعض يطلب الدفئ والبعض يجمع الأغراض

أذن الزول لصلاة الفجر وكانت المرة الاولى التي يؤذن فيها بشكل صحيح وكامل حيث كان دائماً ينسى ‘الصلاة خير من النوم’ ويذكره عباطة بعد أن ينتهي فيصيح ‘الصلاة خير من النوم’ وصلينا الفجر وبعدها جلسنا ننتظر إفطارا مميزا هذا اليوم لأنه بالاضافة للفول المطبوخ بزيت الزيتون المنتج في الجوف فإننا اليوم سوف نستمتع بكبدة خروفنا الذي أكلنا بقيته البارحة ولم نحتج لحفظها في ثلاجة خلال الليل نظراً لبرودة الجو فوضعها الزول في قدر احكم غطاءه وتركه على رمل النفود!

نضج قرصا الجمرية وجهز الزول الفول والكبدة وأكلنا مودعين آخر إفطار بنكهة الرمال وراقبنا الشمس تنشر أشعتها على هذه الصحراء الشاسعة ويظهر في الأفق البعيد جبل جبة الذي ترقد في اسفله بهدوء مدينة جبة!

بينما أنشغل الزول وعباطة بجمع أدوات الطبخ ووضعها في خُرجْ كل جمل، انطلق كل منا ليجلب جمله من مَبْرَكِه وكان وضع ‘الخرج’ سهلاً لأن جلها أصبحت فارغة الا من جوالين الماء الفارغة أيضاً وقام الزول بتذكر راس الخروف الذي وضعه على النار قبل نومنا كما هو بشعره لكي ‘يُشَوِطُه’ على النار ثم دفنه في حفرة بها جمر ورماد ساخن وفي تمام الساعة الثامنة انطلقنا صوب جبل جبة فتقدم عباطة وكنت خلفه على ناقة القويز ‘السياحية’ حيث رأيت في إعطائه ناقتي النشيطة للقويز حافزاً للسرعة وكان فهد معنا حيث نسمع تارة صوت خيزرانته تعانق جسد جمله أو صوت جمله يصيح معترضا على هذه الوسيلة للتفاهم. بدأ ثلاثتنا يبتعد عن بقية الرحالة واذا عرف السبب بطل العجب.. عاد صاحبنا القويز لكامل صحته والحمد لله ومع هذا عادت روح الفكاهة وتقليد البدو فاجتمع حوله الجماهير وكنا بين الحين والآخر نسمع صوت ضحكات صاخبة فيصيح عباطة الرمالي كالعادة ‘أويليييييه يالقويز’!

في هذا اليوم بلغت سيطرة عبدالعزيز على جمله بأكمل صورها بعد أيام من التعامل بالخيزرانة الحية وبدأ يستعرض مهارته في الركوب ليقف على ظهر الجمل مما أفقد عباطة الميزة التي استعرضها علينا قبل يومين وقمنا بتشجيع ابن المدينة واحتفلنا بهذه المهارة!

عبدالعزيز وبلوغ درجة الاحترافية في ركوب الجمال

أصعب جمل في الرحلة تم ترويضه بالخيزرانة حتى وصل لهذه المرحلة!

كلما مضى وقت اكثر كلما زادت المسافة بين مجموعتي الرحالة وفجأة انسل القويز من بين جماهيره وانطلق صوبنا معتمداً على سرعة ونشاط البكرة ‘عيده’ فماهي الا لحظات وكان رابع الاربعة المتقدمين وتقدم يسابق عباطة فلا نراه الا ‘مُدَرْهِمَاً’ اي راكظاً بناقته!

بعد أن ابتعدنا بمسافة كبيرة عن بقية الرحالة – وكان النهار قد مضى أكثر من نصفه – قررنا انتظارهم حتى نحثهم على البقاء معا فاعتلينا رابية فإذا بجبل جُبَّة يشمخ غير بعيد أمامنا فأنخنا رحالنا لتستريح حتى يصل بقية المجموعة.

عندما وصلت بقية المجموعة اتصلنا لنتأكد من أن ‘اللوري’ الذي غادرنا صباح الخميس متواجدفي نقطة الالتقاء لأن به أغراضا تخص بعض الرحالة ثم لمعت لنا فكرة أن نطلب سيارة تقابلنا عند ‘اللوري’ نأخذها وننطلق لحائل للبحث عن فندق لنستحم ونغير ملابسنا ونجهز للعزيمة ثم نعود الى جُبَّة لحضور العزيمة فلا نزعج مظيفنا بروائحنا ‘الجملي’ وأشكالنا المزرية فكانت فكرة رائعة وقمنا بالاتصال لتجهيز سيارة تكفي لحمل الرحالة بعفشهم!

من تلك النقطة انطلقنا صوب نقطة النهاية يمشي البعض جارَّا رحوله والبعض راكباً ونحن بين مشاعر الفرحة بإتمام رحلتنا خلال صحراء النفود وبين مشاعر الحزن لأنتهاء هذه الرحلة المميزة بعد أن تآلفنا مع بعضنا البعض وحتى مع جمالنا ونوقنا!

صورة إنجاز المهمة لرحالة الصحراء، من اليمين أنا ثم فهد وعبدالعزيز العمران والقويز ثم عباطة يليه مازن وطارق ثم علي السوداني

صورة مع جمالنا

وصورة أفضل علاقة بين رحالة وجمله فاز بها مازن الجبير

في نقطة الوصول لمحنا ‘اللوري’ وسيارة لاندكروزر فبدأ الماشي يسرع والراكب ‘يدرهم’ حتى وصلنا نقطة النهاية وبدأنا في تخليد هذه اللحظة بالصور كل منا ممسك برحوله وكان منظراً رائعاً جذب إلينا شخص كان ماراً في طريقه فعرج علينا يعزمنا لديه!!!!

سلمنا الجمال والنوق لعباطة والزول ليتم تحميل بعضها في اللوري وقمنا بتحميل متاعنا في السيارة التي أخذناها من صاحبها حتى تكفينا وقاد طارق متجهاً بنا الى حائل التي لا تبعد كثيرا عن جبة. بدأنا نبحث عن فندق قولدن توليب وقوقلنا عن رقم هاتفهم وحين وصلنا حائل اتصلنا بهم ولكن لأننا لأنعرف أين يقع منتزه الامير سلطان او مبنى الاتصالات السعودية اضطررنا لسؤال المارة !

وبينما نحن نلف في شوارع حائل لمح مازن الجبير في أحد الشوارع لوحة زرقاء مميزة لا تخطئها عين سكان الرياض فصاح بأعلى صوته ‘هررررففيييييي’ فكبر من كبر وهلل من هلل وترددت في السيارة مفردات لم نسمعها منذ فترة مثل ‘فرينش فرايز’ و ‘اونيون رينقز’ و ‘تشيز كيك’ وصمم مازن أن نتوقف لدى ‘هرفي’ فقام طارق بركن السيارة في الجهة المقابلة ونزلنا شعثا غبراً متجهين للمطعم فدخلنا وساورني اعتقاد بأننا سوف نطرد وأظن أننا طُردنا ولكن ‘طنشنا’ حيث استولى الرحالة على عدد الكراسي القليلة في المطعم وأثناء طلب الاكل سألنا الكاشير ‘هنا والا تيك أواي؟’ وكان القصد ‘خذوا الاكل واطلعو الله يرحم والديكم’!!

ونحن بانتظار الطلبات، لمحنا باباً صغيراً مكتوباً عليه ‘رجال’ فتواثبنا وقلنا نحن الرجال ورب الكعبة فانطلق القويز ودخل – فاصل اعلاني قصير – وخرج يسأل من هذا الذي رأيته في المرآة؟؟؟ حيث لم نر وجوهنا منذ صباح الأربعاء الماضي وطارق الذي سبقنا بأسبوع لم ير وجهه منذ أسبوعين!

طبعا خلال الرحلة كان الذهاب للحمام – وهي عبارة مجازية تعني الابتعاد عن المجموعة مسافة ١٠٠ متر والاختباء خلف شجيرة – محدوداً حيث عانى الجميع من الإمساك فيما يبدوا ولعل سبب ذلك نفسي اكثر منه عضوي وكنا نحرص ان لا نشرب الكثير من السوائل ليلاً لان القيام ‘للحمام’ في ذلك البرد مخاطرة عظيمة!

ولجت باب حمام مطعم هرفي بعد ذلك فتفاجأت من لوني المحروق وشفاهي المشققة وعدم التفريق بين الشعر الابيض في رأسي والرمال التي اختلطت به – وخرجت بعد أن فتح الله على!

بينما بدأت الطلبات تجهز، قال مازن ممازحا ‘ماعندهم رمل فور سيزنينق؟’ فحك عبدالعزيز مقدمة رأسه فهبت عاصفة رملية على الطاولة وتضاحكنا بطريقة جذبت انتباه بقية من كان في المطعم!

بعد أن أكلنا في المطعم ركبنا السيارة لنكمل رحلة البحث عن فندق قولدن توليب وبعد ربع ساعة وصلنا فأوقفنا السيارة خارج الفندق وجلسنا نتناقش هل لو كنا موظفي استقبال في هذا الفندق ودخل علينا ٦ أشخاص في مثل هيئتنا يسألون عن غرف شاغرة فماذا سيكون جوابنا؟ طبعا الاجابة لا تحتاج ذكاءاً ‘لا يوجد لدينا غرف الليلة’!

اتفقنا أن نرسل أوسمنا وأكثرنا ‘كشخة’ ليدخل قبلنا ويحجز ٣ غرف وبعد أن نضمن أن كروت الغرف بيده يأتي ويخبرنا لننزل!

نجحت الخطة ونزلنا وحمل كل منا شنطته الكبيرة ودخلنا بهو الفندق فجذبنا الأنظار خاصة وأن القويز كان يخطط لطردنا حيث رفع صوته متحدثا ‘يا كبرها كبراه ذي الخيمة، أشلون بنوها.. وش هو ذا القزاز.. وين البل حقهم…’ وكنت المح من بعيد موظفي الاستقبال وعلامات الندم بادية عليهم من إسكان من هذه العينة من العملاء!

أنطلقت المجموعة الى غرفتين في الدور الثاني وأعطوني كرت غرفة ٣٠٩ في الدور الثالث فاستغربت من إفرادي لوحدي في غرفة بينما يتشاركون في غرفتين فأقنعت نفسي أنه بسبب بقائي للغد حيث رحلتي إلى جدة بينما سوف يغادر الجميع إلى الرياض قبل منتصف هذه الليلة.. كان هناك احتمال واعتقد أنه ضعيف جدا (….) وله علاقة برائحتي مثلا 🙂

دخلت غرفتي ووضعت شنطتي على الارض ثم نثرت ما بها داخل الحمام وقمت قبل الاستحمام بنفض جميع اغراضي ونفض الشنطة حتى يخرج منه التراب وبعد الانتهاء من هذه المهمة كان بداخل الحمام تل صغير من رمال النفود!

بعدها بدأت الاستحمام الذي استهلكت فيه جميع أدوات الاستحمام التي وفرها الفندق ولم أر رغوة الشامبو الا بعد الغسلة الثالثة او الرابعة! ثم حلقت فزاد ذلك من ظهور وجه محروق وشفاه لم تكن بعيدة عن شفاه الجمل!

كان مايزال لدي آخر طقم ملابس ‘نظيف’ عبارة عن جينز وتي شيرت فلبست وكشخت واتصل بي طارق طالباً أن احضر اذا جهزت للغرفة ٢٠٥ وحضرت فتفاجأت بمن رايت وتعرفت على هذه الشبيبة الكاشخة النظيفة واكثر شخص اختلف شكله كان طارق الذي لم يحلق منذ اكثر من ٣ أسابيع!

سبقتهم لبهو الفندق وعندما خرجوا وعملوا ‘تشيك آوت’ كنت المح موظفي الاستقبال مستغربين متسآئلين هل هذه نفس المجموعة التي دخلت قبل اقل من ساعتين؟ ولو كنت مكانهم لتسائلت عن كيف سيكون حال الغرف التي نفضوا فيها ماكان بهم من ‘خياس’!!

انطلقنا بعدها لحضور دعوة شرب قهوة لدى أحد وجهاء حائل الذي بسبب علمه بوجود ‘معزب’ لنا قد دعانا للعشاء فقد عرفنا بطريقة حائلي جديدة بالنسبة لي وهي دعوة الناس لتناول ‘الفاكهة’ وكانت هذه واحدة من ٦ مناسبات لتناول الفاكهة تلك الليلة وخلال ٣ ساعات حيث ما أن ننتهي من واحدة ‘نبلش’ في واحدة أخرى!

تكرر هذا المنظر حوالي 6 مرات خلال 3 ساعات أو أقل!

كانت غلطتنا أننا اكثرنا من أكل الفاكهة في الدعوة الاولى – حيث لم نكن نعرف عن الدعوات التالية – وبعدها اصبحنا اكثر تحفظاً في اكل الفاكهة فنقتسم حبة اليوسفي بين شخصين والتفاحة بين ٣ وهكذا وبنهاية هذه الدعوات كان مستوى الفيتامينات في أجسامنا وصل لمرحلة خطيرة فقد شاهدت وجه مازن ينقلب للون البرتقالي ولون القويز يتحول للون التفاحي!

بعدها توجهنا إلى جبة لحضور دعوة العشاء الرئيسية التي كانت من الرز واللحم وهذه الدعوة التي اشترطنا أن تكون بسيطة ولا يحضرها سوا الداعي وابيه واخيه ونحن ،كانت عكس شرطنا تماماً فقد كانت هناك ٤ تباسي من الحجم القبلي وليس العائلي وقد حضر المناسبة عدد كبير من المدعويين وقد لاحظ مازن أن طعم الرز كان ينقصه رشه من الرمل لتكتمل النكهة!

شكرنا مضيفنا على كرمه واعتذرنا عن عدم تلبية الدعوات الاخرى حيث سوف تتجه المجموعة للمطار الآن! ثم انطلقنا من جبة للمطار في حائل لكي أودع الرحالة العائدين للرياض وفي المطار ودعتهم بحزن شديد على فراق مجموعة لم أكن أعرفهم قبل هذه الرحلة وعدت بعدها مع عباطة وابن اخيه الى الفندق اقضي ليلتي به لأن رحلتي لمدينة جدة صباح اليوم التالي..

يتبع ((٨ والأخيرة) رحالة الصحراء – انطباعات ما بعد الرحلة)

(٦) رحالة الصحراء – عباطة يقع في غرامها!

قياسي

استيقظنا في اليوم الرابع ينقصنا الدكتور بدرالذي غادرنا الليلة الماضية وقد واجهت صعوبة في النهوض بسبب الآم المشي في اليوم السابق وكنت أتحرك كشخص عمره فوق التسعين!

اجتمعنا حول نار المخيم من قبل الفجر حيث أصبحنا نستيقظ بسهولة وكالعادة نشرب القهوة والحليب ونأكل التمر ليسري الدفئ في أجسامنا ثم نصلي ونفطر فوطورنا المعتاد من الجمرية وفول عليه زيت زيتون الجوف ولكن الشيء المختلف هذا الصباح هو بدلاً من شرب الشاي على الفطور كنت أنا والقويز ومازن نشرب بيبسي على الفطور ولأن الصحراء شديدة البرودة فكان التراب هو أفضل ثلاجة لحفظه بارداً منذ البارحة!

إفطار فول..جمرية.. بيبسي!!

لم اكن قادراً على المشي فقررت ركوب ناقتي (عيدة) حتى فترة مابعد الظهر وأحاول المشي بعدها..

على ظهر بكرتي (عيدة) لابساً الخفين لعلي أستطيع المشي لاحقاً

أنطلقنا على ظهور رواحلنا وكان الشيئ الغريب هذا الصباح – غير شرب البيبسي على الفطور – هو الهدوء غير المعتاد لصاحبنا القويز الذي عودنا على التنكيت والمبارزة وتقليد أهازيج البدو بكلمات بيروتية فقلنا لعله خير وهذا مؤشر على أن المجموعة لن تنقسم لقسمين، قسم ينطلق في المقدمة وقسم يتحلق حول القويز!

وبعد حوالي الساعة رأينا بيت شعر فاتفقنا أن نعرج عليه لنشرب القهوة وكنا قد بيتنا النية على شراء خروف صغير يكون لنا عشاءً وكان خوفنا أن ‘نبلش’ في الرجل فيصر على بقاءنا للغداء! وكانت أيضا فرصة لنا أن نسقي جمالنا ونوقنا التي لم تشرب منذ بداية الرحلة!

اتفقنا على أن يتقدم عباطة الرمالي وأن يمثل البقية دور السياح وأن نرطن بالإنجليزي بشكل أكبر وأن لا نُعرف بأسمائنا خلال السلام على صاحب الخيمة (هذا بالطبع لا يفعله إلا السياح الذين لا يفهمون عوايد العرب) وإذا وجدنا من الرجل إصراراً على بقائنا فلن نأتي على ذكر موضوع شراء خروف منه وإذا نفع عذرنا بأن لدينا مجموعة سبقتنا وغدائنا لديهم. فاتحناه في موضوع الخروف ليكون العشاء لنا.

تقدم عباطة وبعد دقيقتين أشار لنا بالتقدم فسلمنا على الرجل كبير السن وقد جلس يريد عمل دلة قهوة جديدة فقَرب ‘النجر’ وبدأ يدق ‘العويدي وينظر لنا بتمعن وربما بريبة فقد كنت ألبس جينز ونتحدث بالانجليزي بين بعضنا البعض ومعه بالعربي..ودخلت امرأة لم نر منها شيئ فوضعت تمراً يتوسطه الزبد المصنوع محلياً ورحبت بنا ثم انصرفت..

مضيفنا يجهز القهوة

على غير العادة أيضاً لم يقم القويز هذه المرة باستعراض مهاراته في اللهجة البدوية كالعادة – وهو قارئ كتاب كيف تتحدث البدوية في أسبوع – وهذا كان مثار استغرابنا وقلت في نفسي لعله يلتزم التعلميات التي اتفقنا عليها بعدم التعريف بأنفسنا أو الحديث الكثير!

قام عباطة بمناداة الرجل للخارج للمساعدة في ري الإبل ومفاتحته في موضوع الخروف وفي تلك الأثناء أصيب محمد القويز بوعكة صحية مفاجأة كاد أن يغمى عليه فجلبنا له الماء فشرب منه وصببنا الباقي على راسه وأعطيناها فواراً به فيتامينات وأملاح كانت مع أحد الشباب وقلقنا عليه قلق شديد!

وعاد الرجل فلاحظ تعب صاحبنا فذهب للداخل وعاد بثلاث صوان من اللبن الرائب الذي تخالطه حبيبات الزبدة..لم يشرب منه القويزولكني عببت منه حتى لم أجد ما يكفي للتنفس وكنت أحاول إقناع مازن الجبير أن يشرب فنظر للصواني بريبة وقال لي ‘نو ثأنكس آم قود’

وشرب عبدالعزيز وفهد قليلا وشرب طارق أكثرمنهم وأقل مني!

بعد أن استقر وضع صاحبنا القويز قليلا استئذنا أن نلتقط بعض الصور مع مضيفنا وفي هذه الأثناء رأينا سيدة تركب ‘الشاص’ وتشغله ثم أنطلقت وبعد دقائق عادت وفي حوض السيارة خروفنا الصغير!

قام أبو محمد (الزول السوداني الطيب) بوضع الخروف في كيس دقيق بر فارغ ثم وضعه في ‘خرج’ راحلته.

استمتع بالرحلة فإنك مطبوخ مطبوخ مطبوخ!

يعد ذلك سقينا الجمال وانطلقنا على رواحلنا وكلنا نتابع صاحبنا المتعب الذي كانت ناقته ‘السياحية’ في آخر الركب حيث كانت تتحرك على راحتها – بسبب عدم قدرته حتى على توجيهها وحثها على السير – وتقف لتأكل ثم تمشي قليلا وكنت أنا وطارق نتأخر لنتأكد من أن وضعه جيد ونحث راحلته على المشي مع المجموعة.

كان المسير حتى وقت استراحة الظهر مملاً رتيباً هادئاً بسبب وعكة القويز وقلقنا عليه!

الإنهاك بادياً على القويز أثناء استراحة الظهيرة

توقفنا في استراحة قصيرة للصلاة وتناول الفواكه ثم أعطيت القويز راحلتي النشيطة وانطلقت أمشي رغم الألم الذي كنت أحس به في كل جسمي وحتى لا يعتقد الكثير أنها كانت تضحية مني فقد كان هدفي من الرحلة إنقاص وزني!

بما أن لدينا خروفاً فلابد من ذبحه وسلخه وتقطيعه فكانت تعليمات عباطة أن نقف اليوم الساعة ٤:٣٠ بدلاً من ٥ عصراً حتى ننجز تلك المهام قبل حلول الظلام خاصة وأنه يتطلب منا جمع كميات أكبر من الحطب لطبخ الخروف والتدفئة وطبخ الفطور في اليوم التالي!

بدأ وضع القويز بالتحسن تدريجياً وإن استمرسكوته لذلك اليوم..وكان عباطة من فترة لفترة يخبرنا بملاحظات الرجل علينا..وكيف أنه استغرب من ذلك الشيئ الابيض على وجه مازن – وكان مازن قد وضع عازلاً للشمس ولم يحسن توزيعه على وجهه لعدم وجود مرآة وكيف أنه اعتقد أن القويز أفغاني وأنني يمني!

طبعاً لم ينس عباطة أن يشير إلى أن مضيفنا ليس “شمَرياً” وإلا كان بلشنا فيه ولا يفكنا إلا بعد الغداء ولم نرغب ان نجادله في هذا الموضوع!

من جهة أخرى بدأنا في نسج روايات عن عباطة والبنت التي أحضرت الخروف وقد بدا لنا أنه استساغ ذلك فاستمرت الروايات والحكايات حتى نهاية الرحلة وقد كان المحرك لهذه القصص هو الرباط الأحمر الذي وضعه على جمله وكان هذا الرباط قد ربطت به البنت خروفنا في حوض سيارتها! وكاد عباطة أن يستهلك ما تبقى من بطارية جواله وهو يستمع لأغنية لخالد عبدالرحمن!

المجموعة تعتقد أن عباطة الرمالي سوف يعود لتلك الخيمة خاطباً ذات الرباط الأحمر مع أنه لم ير منها قيد أنملة!

بحلول الرابعة والنصف عصراً قررنا التوقف وانطلقنا نجمع الحطب وننزل الأغراض عن رواحلنا وفي تلك الأثناء قام علي السوداني يساعده عبدالعزيز بذبح الخروف وسلخه – قام عم علي بسلخ الخروف على الأرض بواسطة إدخال أصابعه ويده تحت جلد الخروف بدأً من القدمين حتى وصل للرقبة – ثم انضم لهما فهد العمران ليقف بجوار ابن عمه كعمود ثانٍ يتم تعليق الخروف على عصا يتم تثبيتها على كتفيهما!

عبدالعزيز يفك الخروف من الكيس استعداداً لــ ....

المرحوم بين يدي عبدالعزيز وعم علي

قبل نهاية التقطيع حضرت وطلبت الحلول عموداً بديلاً لعبدالعزيز لغرض التصوير 🙂

بعد انتهاء التقطيع اتفقنا أن نشوي بعضا منه والباقي نكبسه ونجعل الكبد فطوراً ملكياً لليوم الخامس والأخير من الرحلة.

تولى عباطة والزول علي موضوع الكبسة وأنا بدأت أشوي الضلوع وبعد انتهاء أول دفعة طلبت من القويز وفهد تذوقها فاختلف فقهائنا هل كانت ‘ميديوم رير’ أم ‘ميديوم’ وكان هدفنا هو ‘ميديوم ويل’ والمثير للعجب أن نصف الضلوع اختفت اثناء التذوق بدون أن يتفق فهد والقويز على درجة النضج!

لم يرق ذلك لعبدالعزيز الذي قرر أن يسلق ماتبقى من الضلوع نصف استواء ثم بعدها نشويها.. فأحضر قدراً ووضع فيه ماء ووضع به الضلوع وبدأ القدر بالغليان..

في هذه الأثناء يبدو أن عبدالعزيز نسي الهدف الرئيس للموضوع فبدأ يرتجل فأحضر عبوة صلصلة السعودية وأفرغها على الضلوع في قدر الغلي! ولأن القدر بلا غطاء فقد تبخر الماء ولم يستوي اللحم بل بدأ يحترق فأبعد القدر عن النار وتذوق فقهاء التذوق القويز وفهد وهما مابين ميديوم رير ورير الى أن انتهى تقريباً ولم يكن للباقين نصيب نظراً لاختلاف الفتوى! لكم أن تلاحظوا أن القويز لم يكن في أفضل حالاته ولم تكن شهيته مفتوحه بسبب وعكته الصحية!!!

لحسن الحظ، باقي الخروف كان في القدر الكبير بيد عباطة والزول وإلا لما تعشينا لحماً تلك الليلة!

بعد نضج الكبسة تم توزيعها على صحنين كبيرين وقمنا للعشاء بيد كل منا علبة مشروبات غازية ولم يكن مازن راضياً عن الرز بشكل كامل لأن مستوى الرمل كان أقل من المعتاد!

أسعدنا تعافي صاحبنا القويز الذي بدأ بتذوق الشواء وعرج على الكبسة وبعد العشاء تواصل طارق السديري بالشخص الذي (حجزنا) على العشاء إذا وصلنا ‘جُبَة’ – كانت هناك تغطية شبكة وإن كانت ضعيفة لقربنا فيما يبدوا من نقطة النهاية – ليؤكد له قبولنا للعزيمة بشرط أن تكون ‘خفيفة’ لا يحضرها إلا هو ووالده ونحن.

بعدها جلسنا نتناقش في كيفية حضور عزيمة ونحن لم يمس أجسادنا الماء منذ ٥ أيام؟ وكنا نبرر لأنفسنا أن الرجل لم يعزمنا إلا وهو يعرف وضعنا ويتوقع أن نأتيه شعثاً غُبراً ‘خايسين’!!

قررنا أن ننام وفي الغد نجد حلا لهذا الموضوع أثناء طريقنا إلى جبة وهي نقطة النهاية في رحلتنا عبر النفود..

عرض مازن على القويز – المريض – أن يساعده في نصب خيمته التي اشتراها من ساكو فلم يرغب القويز أن ينام في الخيمة وأنا أذكر أن مازن كان يرغب بتلك الخيمة قبل ليلتين عندما حدثناً عباطة قصصاً كثيرة عن الذئاب!

قبل النوم قام العم بوضع رأس الخروف كما هو بشعره وجلده في حفرة صغيرة ملأها بالجمر ثم أضاف فوقه جمراً ودفنه واندس كل منا في كيس نومه نُمني أنفسنا بإنهاء هذه الرحلة بشكل مميز..

يتبع ((7) رحالة الصحراء – هرفي برجر!)

(٥) رحالة الصحراء – اختبار الرجولة لدى عطاالله الرمالي

قياسي

استيقظنا في نفس الموعد قبل الصلاة وكان البرد قارساً ذلك الصباح لدرجة أنه تكونت طبقة بيضاء من الصقيع على أكياس نومنا وشناطنا وكان كل شخص يرغب بتأجيل خروجه من كيس النوم لأطول فترة ممكنة!

طبقة الصقيع المتكونة على الشنط وأكياس النوم

آثار الصقيع على كيس نومي

استيقظت وأحسست بشعور من تعرض للدهس بواسطة (وايت) من تعب المشي لدرجة أني وجدت صعوبة في رفع رجليّ للخروج من كيس النوم!

عباطة وعلي السوداني قاما قبل الجميع كالعادة وأشعلا ناراً جديدة بعيدة عن نار المخيم التي اشعلاها البارحة لأني أنا ومحمد القويز نمنا قريبين من تلك النار ولم يرغبا بإزعاجنا على ما يبدو..وأكبرت ذلك فيهما!

تحلقنا وعلينا فرواتنا حول النار نشرب الحليب الساخن بالزنجبيل بنهم لنشعر بالدفئ ونزيد من الحطب على النار وبعدها صلينا وكانت الجمرية تخبز في تلك الفترة وأفطرنا وسارع الجميع لتجهيز جمالهم وتحميل متاعهم كل على ظهر جمله أو ناقته حيث اعتدنا على هذا الروتين ومع الوقت أصبح ما في ‘الخرج’ أخف فيسهل وضعه على الشد بدون مساعدة!

الاستعدادات الصباحية المعتادة

وما تزال العلاقة بين عبدالعزيز وجمله حمران متوترة وابتسامة شريرة على وجهه

في هذا اليوم قررت من البداية أن لا امتطي ناقتي وأن أمشي كامل اليوم فاقترح علي عبدالعزيز العمران أن يعطيني خفيه الجلد (يشبه الخف الذي يلبسه المطوفون في الحرم) حتى يحمي قدمي من الشوك لأني أصبحت لا أستطيع لبس الحذاء الرياضي لوجود تقرحات بإصبعي قدمي الصغيرتين وكان هذا الخف رائعا لأنه يعطيني الفرصة للمشي بدون النظر بين قدمي محاولا تجنب الشوك!

إنطلق الفريق راكبين وأنا على قدمي

كان من الواضح أن الدكتور بدر يرغب بالمشي ولكن وضع قدميه لم يكن يسمح له بهذه الرياضة الممتعة المتعبة فاقترحت عليه أن يريح قدميه حتى فترة بعد الظهيرة فامتطى جمله وأنطلقنا أنا على قدمي وهم على رحالهم!

في هذا اليوم كان صوت القويز (ملعلعاً) أكثر من أي يوم وهو يصول ويجول ممتطياً ناقتي النشيطة (عيدة) فتصور نفسه فجأة محارباً من عصور الجاهلية أو صدر الإسلام وانطلق يجري خلف ناقة طارق السديري يبارزه بالخيزرانة التي في يده ثم ينطلق خلف مازن والجميع إما يضحك مقهقهاً او ممسكاً بكاميرته يصور المبارزة الصحراوية بين الفارس المحارب ابن القويز وأعداءه الافتراضيين!

القويز مستلاً خيزرانته كمحاربي الصحراء، ويحكم! من أنتم؟

كان الاتفاق الذي تم في الليل بين طارق السديري والشخص الذي سوف يقتفي أثرنا أن يقابلنا بعد ‘الردمية’ وهي طريق مردوم غير معبد يخرج من الطريق الرئيس يستخدم كمدخل للصحراء لأن بقية الطريق مغلق بشبك حديدي يحمي السيارات من الجمال السائبة!

كلما ظهرت على جوال عباطة (ابو عطالله) إشارة حاول الاتصال بذلك الشخص ليشرح له موقعنا ساردا أسماء أماكن لم افهم معضمها!

توقفنا للاستراحة في منتصف النهار وكانت الوقفة قصيرة مقارنة بما سبقها – حتى نصل للمكان الذي نتوقع أن يلحق بنا فيه مقتفي أثرنا – ولم نطبخ الشاي او القهوة واكتفينا بأكل التفاح والبرتقال قبل أن يفسد – وكان مخبأ في خرج جمل مازن – وأكل ما يظهر أحيانا من المتع المهربة (باونتي بارز ومافي حكمها) وللفواكه قصة حيث أن عباطة الرمالي لم يأكل الفاكهة في حياته قط وحاولنا خلال الرحلة ولم نفلح حيث يعتقد أنها ليست للرجال ويقل احترام أهل البادية لآكلي الفواكه الناعمين!

ولعباطة معتقدات كثيرة غير الفواكه حيث أنه يحب السكر في الشاي لدرجة أنه بعد أن أصبح يطبخه بدون سكر يضع في ‘بيالته’ كمية من السكر مساوية لكمية الشاي ويجاريه في ذلك علي السوداني وأخبرنا أنه في البادية لديهم معتقد أن من لا يشرب الشاي بكمية كبيرة من السكر فإنه ‘بارد’ وأداءه كزوج ‘لك عليه’.. من هذا المنطلق اكتشفت أن العبدلله والقويز وطارق ‘الله يخلف عليهم’ لأنهم يستخدمون ‘سويتنر’ مع الشاي (يا عيباه) وبقية الرحالة نص نص لأنهم يستخدمون كمية قليلة من السكر!

وينصح عباطة الرمالي بالابتعاد وعدم سماع كلام ‘الدخاترة’ لأن ماعندهم سالفة وهم اللي يسببون المرض!

في فترة بعد الظهيرة أنطلقنا وقد ترجل مجموعة من الرحالة لمشاركتي المشي ومنهم الدكتور بدر ومحمد القويز وطارق السديري وقد شاهدنا خلال هذا اليوم ثعلباً أو ثعلبين وآثار الجرابيع في كل مكان!

ترجل معظهم للمشي ويبدو في الصورة طارق السديري

بعد فترة، اضطر الدكتور للركوب مرة أخرى لعدم قدرته على مواصلة المشي بسبب سوء وضع قدميه وترجل عطباطة ليمشي قليلاً وكنت أمشي بجواره في المقدمة وفجأة توقف أمام شجيرة صغيرة وقطع منها شيئاً وناداني فسألته فقال ‘عِلْتش’ فأعدت السؤال ‘هه؟؟’ قال ‘علتش.. خذ اعلتش’ فإذا به يناولني قطعة لبان قطفها من تلك الشجيرة فاستغربت من وجود شجرة لبان في نفود السعودية فمضغت جزءاً منها وأعطيت جزءاً للقويز وكان طعمها رائعاً!

عند الوصول لموقع مرتفع (لعلنا نلتقط إشارة جوال) حوالي الساعة ٥ عصراً قررنا التوقف للمبيت وجمعنا الحطب وجهزنا أماكن نومنا وبدأ عباطة كلما لمعت علامة شبكة الجوال يشرح للشخص الذي سوف يحضر ليقل الدكتور بدر لحائل أين نتواجد بينما تم تجهيز القهوة (قهوي) والشاي وبدأ ابو عطالله يشرح موقعنا ومازن وأنا والقويز نذكره بالبيبسي والدايت بيبسي والسفن.. وسأل مازن اذا كان عندهم في جُبة (نقطة نهاية رحلتنا على مشارف مدينة حائل) بيتزا أم لا..وتنهد تنهيدة كادت تدمع معها عيناه!

بدأعباطة وعلي السوداني ( أكرر قول السوداني لكي أفرق بينه وبين علي الجيزاني) بتجهيز الكبسة بحيث يتعشى معنا الدكتور ومن سوف يحضر ليقله..

قبل الثامنة وكأنه يمشي في شوارع المدينة وصل فهد بسيارة إف جي كروزر لمخيمنا فسلم عليه الجميع ورحب به وعيوننا على السيارة فأنفرجت أسارير الجميع ونحن نرى كرتون بيبسي وكرتون دايت بيبسي وكيس ممتلئ دايت سفن أب يتم إنزالها من السيارة وبدأت على مازن والعبدلله حالة من قضم الأظافر في شوق لصوت فتح تلك العلب 🙂

قمت باستغلال وجود سيارة لشحن جوالي الآيفون حيث أن بطارية ستيف جوبز لك عليها وكنت أستخدمه ككاميرا طول الوقت!

جهز العشاء وتحلقنا حول التبسي كل منا ممسك بعلبة مشروبه الغازي في نشوة عجيبة فتعشينا ولم أكن اسمع أصوات (تكريعنا) بعد الأكل قبل تلك الليلة!

بعد العشاء جهز الدكتور حقائبه وحملها في السيارة وتلحف فروته وودعناه بحزن لرغبتنا في استمراره معنا لنهاية الرحلة وأنا شخصيا سوف أفتقده لأنه أكثر شخص شاركني المشي!

أوصيناه إذا وصل الرياض أن يحث زوجته على الاتصال بزوجة عبدالعزيز لتقول لها الحمد لله على سلامة رجوع عبدالعزيز والهدف توريط عبدالعزيز 🙂

قبل انصراف فهد (صاحب السيارة وليس العمران) مع الدكتور قام فهد ‘بحجزنا’ على العشاء في إذا وصلنا جُبة بعد وصولنا لها بعد يومين ووعدناه نرد له خبر!

بعد مغادرة فهد بالدكتور تحلقنا حول النار وفتحنا نفس الموضوع (البطالة والسعودة) الذي بدأت أنا وعبدالعزيز نقاشه قبل ليلتين على نكهة السيجار الكوبي! واتضح لي أن هذه المجموعة قد قامت برفع توصية لوزير العمل بعد قيامهم بتحليل الأوضاع الحالية فأكبرت هذه المبادرة ولم أكن لأتوقع أقل من ذلك من هذه الكوكبة من العقول واستمر نقاشنا حوالي الساعة ثم أنصرف كل منا لمكان نومه محاولاً التحصن من البرد الشديد مثل اليوم الذي سبقه..

يتبع ((٦) رحالة الصحراء – عباطة يقع في غرامها)

(4) رحالة الصحراء – مافيه روه، لازم قهوة إند أمي!

قياسي

استيقضت الساعة ٥ صباحا وقد سبقنا كالعادة عباطة الرمالي وعلي السوداني وكانت القهوة جاهزة وكذلك الشاي والحليب بالزنجبيل وعلب التمر وانضم لي طارق السديري والدكتور بدر ومحمد القويز وعلى نقيض اليوم الماضي لم نجد عبدالعزيز الذي استيقظ بعد الفجر وكان يتحدث عن كيس النوم البديل باستمتاع وأنه لم يحظ بنوم كنوم البارحة حتى في بيته واتمنى أن لا تقرأ زوجته هذه المدونة حتى لا نزيده على ما حصل عليه من تعليقات اثناء الرحلة!

ونحن حول النار بدأ الدكتور يتحدث عن أنه كان يسمع فيما يسمع النائم صوتي (يلعلع) ليلة البارحة وهذا أعطى عبدالعزيز فرصة لتأكيد وجهة نظره بأني لم أكن أعطيه فرصة للحديث في موضوع السعودة الساخن الذي تم نقاشه بواسطة شخصين ينفثان السيجار الكوبي في الصحراء المقفرة!

بعد الفطور المعتاد من الفول والجمرية بدأ كل واحد بجلب جمله أو ناقته من مكانها وفك قيودها ومن ثم أناختها وربط يدها والبدء بوضع (الخرج) على الشد بمساعدة بعضنا البعض نظرا لثقل مافي الخرج ثم تثبيت شناطنا عليها ومن ثم الانطلاق وانطلقنا في الموعد المحدد الساعة ٨ صباحاً بناء على تعلميات مشددة من قائد الرحلة الليلة الماضية!

مازن يفك جمله (حيدر)

بعد حوالي الساعة من سيرنا سمعنا نباح كلب وبعد محاولات (دربلة) لمحنا من بعيد راعياً للغنم على مسافة غير بعيدة كثيراً من خيمة يتمية في وسط الرمال فاتجهنا للراعي وقد تفاجأنا من تطبعه بطبع رب عمله حيث بدأ يعزم علينا ويصر أن نتقهوى لدى كفيله وكان الراعي بنغاليا..وكان إصراره على أن نتقهوى لدى عمه بقوله (مافيه روه، لازم قهوة إند أمي) فسأله دليل الرحلة عن عمه فأخبره باسمه فيبدوا أنه عرفه ولمح من بعيد جملاً فحلاً مربوطاً بجوار الخيمة فلمعت له فكرة أن نعرج لنتقهوى لديهم وفي هذهالأثناء نأخذ إحدى النوق ليتم تلقيحها بواسطة هذا الفحل المشهور المستفحل!

تقدم الراعي ركظا للخيمة وخرج عمه مرحباً بنا وأجلسنا في مجلس بيت الشعر وكانت – وهذا دليل على كرم البدو وتأصل ذلك فيهم -القهوة جاهزة!!!!!!!! هذا الرجل المسن (اسمه ضبيب الرمالي) كان مستعداً للضيوف وجلس يجهز دلة أخرى والحمد لله أن زوجاتنا لايعرفن أن من يطبخ القهوة والشاي للضيوف هو الرجل حتى لا نخسر متعة الصياح كلما جائنا احد ‘سوي القهوة والشاي ياحرمة’

في ضيافة ضبيب ويبدوا الراعي البغالي الكريم

كان العم ضبيب يجيب على تساؤلاتنا ويسأل عن أحوالنا وكان محمد القويز هو متحدثنا الرسمي حيث ادعى أنه قرأ قبل الرحلة كتاب ‘كيف تتكلم بدوي في يومين’ بينما الشخص الضليع بلهجاتهم فعلا هو طارق السديري ولكني تفاجأت من سؤاله للمضيف سؤالا جعلني افتح فمي حيث سأله ‘ما طاح عليكم شي ياعم؟’ فكنت أسأل نفسي مالذي يمكن أن يطيح على هذه الخيمة في وسط الصحراء ولم المح برجاً يبنى بجوارهم ولا أتوقع أن الطائرات تتساقط بشكل مستمر هنا لتصبح ظاهرة يتم السؤال عنها!

جواب الرجل كان ‘ماهنا مطر لكن الخير عند الله’! فقط حينها عرفت أن سؤال طارق كان عن المطر!

في هذه الأثناء قام علي السوداني بزفاف الناقة للفحل بعقد ‘مسفار مصحار’ ونسأل الله أن يرزقها منه بكرة ترث مواهب أبيها لتفوز بالسباقات حيث أشار دليل الرحلة إلا أن واحدة أو اثنتين من بنات هذا الفحل الشهير فزن بسباقات!

بعد أن انتهى الجمل من مهمته وأنتهينا من شرب القهوة وأكل التمر والتقاط الصور تملصنا بصعوبة من ضبيب الرمالي الذي كان يصر على أن نتغدى ونبيت لديهم (ويقول البدو “أمرحوا عندنا” بكسر الراء ويعني بيتو عندنا) وادعينا أن هناك مجموعة قبلنا تجهز الغداء ويجب أن نصل اليهم في الوقت المناسب!

من هذه اللحظة قررت أنا والدكتور بدر أن نكمل يومنا مشياً على الأقدام وهو يحمل جهاز تحديد المواقع وأنا اتبعه فافترقنا عن الجمال لنقطع طريقاً موازياً لهم في أرض وعرة لا تستطيع الجمال المشي فيها ونتابع قافلة بقية الرحالة من بعيد وكان الدكتور قد تخلى عن بوته الصحراوي بعد تقرح إصبعين في قدميه ولبس شرابين يمشي عليهما وأنا امشي بحذاء رياضي مالبثت أن تخليت عنه أيضاً بسبب بداية تقرحات باصابعي وكنت أمشي خلف الدكتور وكالانا ننظر لموضع أقدامنا خوفا من الأشواك ببطون الأودية ومن المضحك أنه عندنا يعلق بشرابه نوع دائري من الأشواك أرى شكلها في آثار أقدامه وكنت اقول له أكثر من مرة عندك حبتين في اليمين أو حبة في اليسار ويتوقف ليزيلها ويواصل السير..

د. بدر يطوي الصحراء على قدميه

وكنا على هذا الحال حتى ساعة الراحة في الظهر حيث أنخنا الجمال وطبخنا الشاي الذي شربناه على ما تبقى من جمرية الفطور وصلينا وواصلت أنا والدكتور المشي بعد الغداء وقبيل المغرب بساعة ونصف وجدنا أننا قد ابتعدنا عن مسار قافلة الجمال المتعرج لتتلافى الأماكن الوعرة وكنا بالكاد نراهم فقررنا أن نمشي بهدف التقاطع مع طريقهم قبل الساعة ٥ حتى لا نضيع منهم ويحل الظلام لأن ظهور القمر أصبح متأخراً وقد قابلناهم قبيل ساعة الوقوف المعتادة وكنت أنا والدكتور منهكين بشكل كبير حيث مشينا طوال اليوم ماعدا الساعة التي سبقت وصولنا لخيمة ضبيب الرمالي!

بعد المهام المعتادة عند الوقوف من إنزال الأغراض عن ظهور الجمال وجمع الحطب وتجهيز مكان النومن بدأ طبخ العشاء وتعشينا ثم بدأنا نتسامر حول أكواب الشاي والقهوة – وقد طلبنا من عباطة الرمالي أن يطبخ الشاي بدون سكر حيث يضع كل شخص المقدار الذي يناسبه من السكر لأن عباطة يطبخ شيئا اقرب للدبس منه للشاي – ودار نقاش حول هيئة الاستثمار والمدن الاقتصادية كنت فيه في خانة الدفاع وقاد الهجوم مازن الجبير في رأس الحربة يساعده على الأجنحة عبدالعزيز العمران وأحيانا القويز الذي كان يوحي بأنه محايد ولم يساعدني سوى الدكتور بدر بينما التزم فهدالحياد 🙂

روح التعاون بين عبدالعزيز والقويز في إنزال الأغراض

التسامر حول نار المخيم

بعد هذا النقاش همس الدكتور بدر لطارق ثم عرفنا أن الدكتور مضطر للمغادرة للرياض بعد العشاء من اليوم التالي لأمر هام فقام طارق بالتنسيق ليقوم شخص بتقفي أثرنا والحضور ليلاً ليقل الدكتور لمدينة حائل حيث يستقل طائرة تتجه لجدة ومنها للرياض..

عندنا عرفنا أن شخصاً ما سوف يأتي مساء الغد من الجهة الاخرى حيث البقالات والمطاعم بدأت تظهر علينا الأعراض الانسحابية لنقص مستوى الكولا في الدم وخاصة مازن الجبير الذي بدأت عليه أعراض أخرى مثل الهذيان حيث كان يسأل عن توصيل دومينوز بيتزا وايسكريم كون زون ومطاعم هرفي!

اتفقنا في الاخير أن نطلب على استحياء شديد كرتون بيبسي وكرتون دايت بيبسي وكم حبة دايت سفن اب للعبد لله 🙂

بعدها توجهنا لاماكن نومنا ككل ليلة حوالي٩:٣٠ مساء..وقد قضينا وقتا نتأمل المنظر الرائع للنجوم..

يتبع ((5) رحالة الصحراء – اختبار الرجولة لدى عباطة الرمالي)

(3) رحالة الصحراء – هل تختار الجمل المناسب لك على طريقة فيلم أفاتار؟

قياسي

في تمام الساعة ٥:٣٠ رن منبه جوالي فاستيقظتوقمت بما يقوم به المستيقظ من النوم (…!!) وعدت لترتيب كي أرتب كيس نومي وأغراضي ثم اتجهت لنار المخيم وقد تحلق حولها أبو عطا الله (دليل الرحلة)  وأبو محمد (علي السوداني) وابو فايز (دليل رحلة تجربة الجمال) وقد جهزوا “قهوي” (أهل الشمال من شمَر ينطقون الهاء والتاء المربوطة في آخر الكلمة ياء ، قهوة = قهوي) والشاي والحليب بالزنجبيل وقد سبقني إليهم عبدالعزيز العمران ثم انضم إلينا طارق السديري تلاه الدكتور بدر البدر ثم توافد بقية الرحالة وظهر لنا جلياً أن عبدالعزيز لم ينم إلا ساعة أوأقل لأنه اختار كيس نوم متقدم تكنولوجياً خفيف الوزن نحيفاً كنت أظنه كيس وسادة من الحجم الكبير 🙂 بعدها أصبح إقناعه بأخذ كيس نوم يزن بضعة كيلوجرامات كان في (اللوري) المخصص لحمل الأغراض -التي لانرغب بها لنقطة النهاية – سهلاً جداً!

قام أبو محمد بعجن دقيق البر الأسمر وصنع قرصين كبيرين سميكين بينما قام أبو فايز وعباطة بتمهيد الأرض بجوار نار المخيم ثم بدأ بسحب قطع من الجمر وفرشها على المنطفة الممهدة وبعدها وضع أبو فايز القرصين عليها ثم دفنهما بالرماد الساخن والتراب وهي أكلة بدوية لها عدة أسماء منها الجمرية أو قرص الملَة (بتشديد اللام) والملة كلمة عربية فصيحة وردت في أحد الأحاديث عن صلة الرحم ومعناها الرماد أو الرماد الساخن.

مراحل خبز (الجمرية) قبل الفجر

 

القرصان جاهزان للخبز

بدأ الخبز الآن

ألذ خبز تبدأ به يومك بعد ليلة قارسة

بينما نضج القرصان قام ابو محمد بتجهيز الفول من (قوطي) وزيت زيتون من انتاج منطقة الجوف – والجوف مشهورة بزراعة الزيتون وأنصحكم بالبحث عن زيتونهم في المرة القادمة عندما تذهبون للتسوق – وأفطرنا فطوراً رائعاً بنكهة التراب الصحراوي وقد تعلمنا خلال الرحلة أن نمضغ الأكل نصف مضغة أي لانطبق اسنانا خلال المضغ بالكامل حتي نتفادا ذرات التراب المميزة وجل أن يخاو أكل الصحراء منها!

بعد الإفطار قام عباطة وعلي السوداني بفك الجمال والنوق من عُقُلها وإحضارها وإناختها بجوارنا (وتتم إناخة الجمل أو الناقة بشد الرسن أو الخطام للأسفل مع الضرب البسيط على رجل الجمل أو الناقة والصياح عليها بكلمة “خيا..خيا..خيا” بصوت عال) لكي يتم تحميل الأغراض التي نرغب بحملها معنا أثناء الرحلة بالاضافة للماء والأكل وأغراض الطبخ وشعير كعلف للإبل ومازاد تم وضعه في (اللوري) الذي سوف يقابلنا فقط في نهاية الرحلة في مدينة حائل.

انطلق (اللوري) والسيارة التي اوصلتنا للمخيم ومعهم أبو فايز دليل رحلة تجربة الجمال الذي قدم بها من حائل وبدأ عبدالعزيز العمران باختيار أول جمل (سمه حمران ولعله اختاره لأن اسمه يتناغم مع العمران مثلاً) وبدا للجميع أنه لم يكن بين عبدالعزيز العمران وجمله حمران أي (كيميستري) من البداية.. فالجمل يهدر (يصدر صوتاً مزمجراً مهدداً) ويصيح وعبدالعزيز يهدد بالخيزرانة ويضرب الجمل من حين لآخر.. بعد تحميل أغراض عبدالعزيز على جمله، قام عباطة بمسك رسن الجمل على يركب عبدالعزيز على ظهره وما أن أحس الجمل ببداية ركوب عبدالعزيز امتشط واقفاً قبل أن يستوي عليه جيداً ووقف وكان أول من امتطى ركاباً ذلك اليوم فلله دره من فارس مغوار:)

الاستعداد للانطلاق في اليوم الأول

لما رأيت عدم التوافق بين عبدالعزيز وجمله اقترحت على المجموعة أن تقوم الجمال باختيار من يركب على ظهرها على طريقة فيلم”أفاتار” ولكن اقتراحي لم يلق إعجابهم لأنه يتطلب أن ننتظر حتى تنبت لنا ذيول “لنشبكها” بذيول الجمال لمعرفة التوافق من عدمه!

كنت ارمق بكرة (أنثى الناقة الصغيرة) تسمى (عيدة) لأنها قامت وهي مقيدة اليد.. ثم تم إناختها وتقييد (ربط) مقدمتيها فقطعت قيداً وقامت مقيدة اليد الأخرى فأعجبني نشاطها واخترتها!

وقد كان مازن الجبير رمقها بعينه في المرات التي قامت مقيدة اليدين فعرضتها عليه ولكنه أصر بما أنني اخترتها أولا فإنها لي ولا أدري هل كان يعني ذلك فعلاً أم أنه خاف من جموحها وانتهى به المطاف على ظهر جمل اسمه (حيدر) ولاسم الجمل قصة عجيبة ولكنها قصة “مشفرة” غير قابلة للتداول خارج مجموعة الرحالة لأنها (Rated)!

محمد القويز امتطى ظهر ناقة اسمها (السياحية) ولها من اسمها نصيب كما اكتشفنا لاحقاً وكان ثاني شخص يركب (رحوله) وانتظر هو وعبدالعزيز على رحولهما حتى يجهز بقية الرحالة!

فهد العمران أيضاً لم يكن حظ ناقته أفضل من جمل ابن عمه فقد بدى عدم التفاهم بينهما من البداية ولا أدري هل “العمران كزينز” لديهما مشاكل متأصلة مع الحيوانات أم أنها صدفة فقط.. في نهاية الرحلة كانت خيزرانة فهد قد تشققت من الأسفل من كثرة استعمالها!!

انطلق الجميع في الرحلة الجديدة علينا كلياً ما عدا طارق وعباطة وقد لاحظت من البداية أن ناقتي الصغيرة (عيدة) سريعة نشيطة فأاطلقت تسبق الجميع بما فيهم دليل الرحلة وكان عباطة يوجهني يميناً يساراً كلما حُدت عن المسار الذي في باله ثم بعد فترة اضطررت أن أتأخر حتى أمشي خلفه.. كانت (عيدة) حساسة جداً من منظر العصا بيدي فوضعتها في “الخرج” وهما جيبان كبيران يوضعان على شداد الجمل وتوضع به أغراضاً مختلفة.. كان استخدام “الرسن” لتوجيه ناقتي يمينياً ويساراً يكفي حيث لم أكن بحاجة لحثها على السرعة بل في الغالب تقنين سرعتها!

وانطلقت القافلة والصورة من على ظهر ناقتي عيدة

كنت حريصاً على أن أظهر بالراكب المحترف حتى يصدق طارق كذبتي البيضاء حيث قلت له أني خبير في ركوب الجمال عندما حدثني قبل الرحلة والواقع أن آخر عهدي بركوب الجمال كان قبل عقدين من الزمان في قريتي الصغيرة في جنوب جيزان!

كلما مضى وقت لاحظت افتراق وتباعد المجموعة..أنا وعباطة وطارق في المقدمة.. يلينا الدكتور بدر ثم مازن ثم القويز والعمران كزينز.. كان صوت القويز (يلعلع) خلالها بالتنكيت والنشيد والغناءعلى الطريقة البدوية بأغنية فيروزية (بتمرق علي امرق ما بتمرق ما تمرق مش فارقة معاي مش فارق معاي..) ليست لها علاقة بالموضوع وهذا اجتذب الجماهير حوله وكان عباطة الرمالي يتهمه بتأخير سيرنا وكلما سمع القهقة العالية خلفنا كان يقول ويضري رأسه “أويلييييه يالقويز” 🙂

بعد حوالي 3 ساعات من الركوب قررت أن أترجل لأنه هذا أحد أهم أسباب انضمامي للرحلة وهو المشي للوصول لأقل من 70 كيلو ليلة رأس السنة.. انضم إلي الدكتور بدر ثم طارق وعند أحد المرتفعات لم يستطع (حيدر) جمل مازن الصعود وبرك وتلته (سياحية) القويز فسارا على الأقدام حتى وصلنا نقطة استراحة الظهيرة في الساعة 12 ظهراً حيث توقفنا وقام عباطة بإشعال النار لطبخ الشاي والقهوة وهنا أخرج مازن “تشكوليت تشيبس كوكيز” كانت مخبأة لديه (تهريب) وأكلنا بقية الجمرية التي أفطرنا منها وصلينا الظهر والعصر جمعاً وقصراً ثم قررنا المواصلة!

تنازلت عن ناقتي (عيدة) للقويز ورغبت بتجربة ناقته (السياحية) التي يبدوا أنها قررت إلغاء الرحلة ورفضت القيام من مبركها فتركتها لأبي محمد ليشبكها مع ناقته وأنطلقت مشياً على الأقدام وشاركني المشي الدكتور بدر وطارق السديري واستمر بنا المسير حتى الساعة 5 قبل المغرب فتوقفنا وأنزلنا أمتعتنا من على ظهور جمالنا ووضعناها في أماكن نومنا وانتشرنا نجمع الحطب قبل الظلام لنتسخدمه في طبخ العشاء والتدفئة خلال التسامر وفي الطبخ فجراً وبدأ طبخ الشاي والقهوة وصلينا المغرب والعشاء ثم بدأ طبخ كبسة العشاء من لحم الضأن المجفف (قفر) بفتح القاف والفاء وأخرج عبدالعزيز العمران أنواع الكليجة (المهربة أيضاً) والقويز أخرج أكله اسمها “العفيس” ومازن يعرض علينا الكوكيز.. الغريب أن القويز كان قد أكد قبل الرحلة على أنها رحلة (هارد كور) والأكل هو اللحم المجفف والخبز الذي نخبزه!

بعد العشاء أكد علينا قائد الرحلة (طارق السديري) أهمية الوقت لنصل لنقطة النهاية في اليوم المحدد وأننا تأخرنا في الانطلاق في اليوم الأول بسبب أننا لأول مرة نجهز الجمال ونمتطيها ولابد أن نتحرك غداً في تمام الساعة 8 صباحاً حيث قطعنا في اليوم الأول 26 كيلو متراً.. بعد العشاء انطلق كل إلى كيس نومه -وكان الجميع مرهقاً- وبقيت أنا وعبدالعزيز ندخن السيجار والسجائر نناقش البطالة والسعودة حتى الساعة 11 مساء وكنت متهماً من قبله بأنني مستمع سيء لأني لا أعطيه فرصة إبداء رأيه في ذلك النقاش فاتفقنا على أن نختلف ونواصل النقاش لاحقا..

ذهبنا للنوم وعلى نقيض الليلة الماضية لم أشاهد ذلك النور الأحمر يشع من جبهة الدكتور بدر.. حيث عم السكون ولم يقطعه إلا شخيرمحمد القويز الذي عزف على جميع المقامات..

يتبع ((4)رحالة الصحراء – مافيه روه لازم قهوة إند أمي)

(2) رحالة الصحراء – وش فيك مصيِف؟

قياسي

بعد الوصول من الرياض لمدينة جدة مساء الثلاثاء ٢١ ديسمبر، تم استكمال النقاش السابق بين الزوج وزوجته الذي حجب الرقيب تفاصيله..

الشنطة كانت تقريباً جاهزة وكنت أقرأ قائمة التجهيزات المقترحة التي أرسلها محمد القويز للتأكد من عدم نسيأن أي شيئ على أن لا نتجاوز شنطة واحدة تحمل على الظهر وهي معادلة كادت أن تكون مستحيلة رغم أنني عمدا تجاهلت الأدوات التي كنت آعتقد – بسبب تربيتي الجازانية – أنها تنتقص من الرجولة ومنها مرطبات البشرة والشفايف ومافي حكمها!

استيقظت من النوم صباح الأربعاء بعد ذهاب زوجتي للجامعة وبناتي للمدرسة وقمت بتغيير ملابسي وتوجهت للمطار!

أول شيئ اكتشفته في المطار أن خط الرحلة هو جدة -المدينة – سكاكا مع أنها على موقع الخطوط السعودية تظهر أنها رحلة مباشرة.. الشيئ الآخر هو تأخر الرحلة في الإقلاع من جدة وقد كنت حريصا على إرسال رسائل نصية لمحمد القويز حتى لايتركوني ويذهبوا بدوني!!!

وصلنا المدينة المنورة وبعد التوقف لفترة قصيرة انطلقت الطائرة لمدينة سكاكا التي لم يسبق لي أن سافرت لها وبعد هبوطها حملت شنطتي على ظهري حيث وضعت كيس النوم في كيس بلاستيكي منفصل وهبطت سلم الطائرة بلبسي الصيفي المكون من جينز وتي شيرت وكاب (قادم من جدة الدافئة) لأجد محمد القويزوبجواره شخص آخر فسلما علي ثم صحباني لصالة كبار الزوار بالمطار (وكانت تجربتي الأولى والوحيدة في الدخول لمثل هذه الصالات البرجوازية!!) فدخلت فإذا أنا الوحيد الذي لا يلبس ثوباً وشماغاً رغم أن معظمهم كان يلف الشماغ حول راسه كالطريقة الاماراتية فعرفاني ببقية أعضاء المجموعة، عبدالعزيز العمران وابن عمه فهد العمران ومازن الجبير ود. بدر البدر ثم سلم علي شخص آخر عرف عن نفسه أنه مندوب أمارة المنطقة ورحب بي ثم أهداني (أو شرهني) فروة للبرد وكتيب وسي دي عن المنطقة وهذا فسر لي حمل كل شخص من رحالة الصحراء الذين سبقوني بالوصول لفروة عندما دخلت الصالة حيث أن ذلك لم يرد في قائمة الأدوات التي نحضرها والتي أرسلها لنا محمد القويز مسبقا!

بعد شرب القهوة تم حمل متاعنا لتوضع في سيارة مرافقة ثم أنطلقنا نحن إلى متحف المنطقة لجولة به على أن ننطلق بعد ذلك لنقطة الانطلاق!

أثناء دخولنا المتحف كان به مندوب عن المحافظة وأشخاص من المتحف ولم يأخذ منهم وقتاً كثيراً لنصيحتي أنني (مصيف على الآخر في ملابسي!)

أثناء الجولة في المتحف استرقت النظر لغرفة كان بابها نصف مفتوح (لأني شخص متفائل لم اقل نصف مغلق) وإذا أمامي تبسي (صحن كبير) به ذبيحة كاملة ورز وتناثر حول التبسي الفواكه والمشروبات الغازية والماء فقلت وقتها أن حميتي الغذائية التي بسببها رغبت في المشاركة بهذه الرحلة سوف تكون نهايتها وخيمة!!

جلسنا في مجلس كبير دارت به أكواب الشاي والقهوة والتمر وكيك التمر المصنوع محلياً من الدخن والتمر ثم بعدها قام المرشد بشرح تاريخي عن المنطقة وما بها من آثار وأهمية موقع الجوف وكنا نحتسي القهوة والشاي اثناء الجولة في المتحف!

الجولة داخل متحف منطقة الجوف

وبعد الانتهاء من الجولة في المتحف تم دعوتنا للغداء الذي قامت المحافظة بإعداده على شرف رحالة الصحراء.

بعدها ركبنا السيارة التي سوف تقلنا لنقطة الأنطلاق وكان أول عمل قمت به بعد ركوبي السيارة هو لبس جاكيت ثقيل نسبياً تلافياً لأي تعليقات إضافية بأني مصيف في الشتاء!

وصلنا لنقطة الانطلاق خارج دومة الجندل اسمها ‘نية مطير’ بتشديد الياء وهناك وجدنا منظم الرحلة وقائد المجموعة طارق السديري الذي رحب بنا أجمل ترحيب وكان معه دليل رحلة تجربة الجمال (قدما في رحلة معاكسة من مدينة حائل إلى دومة الجندل) ودليل رحلتنا ابو عطاالله (عباطة الرمالي) والزول الطيب علي السوداني الذي كان الجندي المجهول في الرحلة!

أبو عطا الله (عباطة الرمالي) دليل الرحلة وخبير الصحراء 🙂

الزول علي السوداني وابتسامة دائمة

قام قائد رحالة الصحراء بشرح الخطة وطلب من كل شخص تجهيز مكان نومه قبل الظلام وحبذا لو يتم الاحتماء بشجيرة لتصد الهواء البارد فتوزع أعضاء الفريق ليضع كل منهم عدته بجوار شجيرة ثم وضع كل واحد فروته على جسمه وتحلقنا حول النار لننعم بالدفئ ونحتسي القهوة والشاي ونتسامر بينما بدأ ابوعطا الله وأبو محمد (الزول علي) بتجهيز العشاء من كبسة لحم الحاشي المجفف (يسمى قفر) بفتح القاف والفاء على نار بجوار النار التي تحلقنا حولها ومن ثم قمنا للعشاء لتجربة القفر الذي ذقته لاول مرة وتجفيف اللحم من الامور المهمة في الصحراء لكي لا يفسد اللحم بسبب عدم وجود الثلاجات.

د. بدر يجهز مكان نومه حلف شجيرة قبيل مغيب الشمس

بعد العشاء جلسنا ‘نتعلل’ أي نسولف وبدأ دليل رحلة الاختبار ابو فايز بسرد الألغاز الشعرية وهي وسيلة ترفيه تلقى رواجاً في البادية وحل الألغاز يدل على ذكاء الشخص وسرعة بديهته..

المجموعة تتسامر حول نار المخيم طلباً للدفئ

كلما قال لنا لغزا شعريا نفشل في معرفته وكان فريق المدن مهزوماً شر هزيمة فأخذت الآيفون – كنا في منطقة مازال بها تغطية للشبكة – و(قوقلت) بعض الألغاز الشعرية خلسة بدون أن يلاحظني أحد ثم سألتهم عن لغزين بنفس صيغة السؤال المعتادة لمثل هذه الألغاز:

(أنشدك عن) عذرا لها حبل وخطام *** تنزف غزيرالدم ساعة غرقها

وجوابه هو كيس الشاي الليبتون، وقد فرحت من عدم قدرة ملوك الألغاز الشعرية علی معرفة الإجابة.

ثم لغز آخر:

أنشدك عن بنت لها رجلين *** رجل يجامعها ورجل يناظرها

اللي يجامعها يضغط عليها زين *** واللي يناظرها يعلمك بسرايرها

وهو وإن بدى لأول وهلة أنه لغز جنسي فإن جوابه كفر السيارة والزوجان هما المنفاخ ومقياس ضغط الهواء.

لم يستطع البدويان حلهما وهذا الدفاع عن شباب (المدن والهمبورجر) اشعرني بنشوة وإلا في الواقع أنا (من جنبها) في ألغاز الشعر:)

أنتثرنا لأماكننا بعد التسامر وكلٌ اندس بداخل كيس نومه وكنت أرمق الدكتور بدر الذي كان على مسافة ٣٠ متراً عن يميني وقد وضع على رأسه عصابة يشع منها ضوء حيناً أبيض وحيناً أحمر ولا أظن ذلك إلا المدعو (إنفرا-ريد) وكان يقرأ كتاباً مكتوباً بلغة الفرنجة رأيته في يده أول الليلة!

قمت بوضع المنبه على الساعة ٥:٣٠ صباحا حتى استيقظ باكراً.. يتبع ((٣)رحالة الصحراء – هل تختار الجمل المناسب لك على طريقة فيلم أفاتار؟)